عبد العزيز كوكاس
“ما كل ما فـوق البسيطـة كافيــــــاً … فإذا قنعت فكـل شـيء كــــافِ
وتعاف لي طمع الحريص أبوّتي … ومروءتي وقناعتـي وعفافـي
أبو فراس الحمداني
على شاكلة المقدم الذي ظل يُدخل أجره البخس مع أجر القايد ليفوح أمام الناس (أنا والقايد تنشدو مليون)، على عون مغلوب على أمره أو معلم بسيط في فم لحسن أو زكوطة أن يقول إنه ووزير التربية الوطنية يتقاضيان 7 ملايين كل شهر… ولأن بنكيران خانته شجاعته السياسية تجاه الحيتان الكبيرة من الأثرياء حين لم يستجب لإقرار قانون فرض الضرائب على الثروة، وأخذ ينظر إلى أن كل من يركب سيارة هو من الطبقة الوسطى، يجب أن يؤدي ضريبة ارتفاع أسعار الوقود، فقد بدا في وضع “المش”، وبدت “الطبقة الوسطى” مثل الفأر الذي قطع رئيس الحكومة ذيله باسم الحكرة.
لكن سيبدو وزير التربية الوطنية فقيراً، وهو ينظر إلى ما يتقاضاه وزير المالية، حيث أن سائقاً في وزارة المالية سيكون أكثر فخرا من العون المسكين والمعلم البسيط حين يقول بالفم المليان:” أنا ومزوار، أو أنا والوزير (ما داما يشتركان معاً في الوِزر) تانقبطو 15 مليون مثلا.. وهذا ليس سوى الجزء البارز من جبل الفساد!

الموضوع جدي، ويجب أن نصون أعمال العقلاء عن العبث، فالشعبوية غير مجدية في هذا الباب، إن الإقرار القانوني للعلاوات والمنح التي يستفيد منها رؤساء ومدراء وزارة المالية ليست مقبولة في إطار المساواة كمبدأ دستوري بين كل العاملين بالوظيفة العمومية، نعم مع سن منح للموظفين في وزارة المالية وغيرها لتحصينهم من الرشاوى ولتحفيزهم على خدمة الصالح العام، لكن ذلك يجب أن يكون منصوصاً عليه قانونيا في قانون المالية ليس وفق منطق الصناديق السوداء، بل على أساس تقييم خاص للمردودية والكفاءة والإنتاجية والنزاهة.. وأن يناقش البرلمانيون هذه التعويضات المالية الممنوحة لأطر وزارة المالية في إطار شفافية تدبير المرفق العام، يجب الإنهاء مع سياسة الغموض ومنح العلاوات تحت الطاولة..
لست مع سياسة التشهير بأي مسؤول، بعضهم يمكن أن يتقاضى أضعاف الملايين التي تمنح له داخل المرفق العمومي، لكن لطموح مشروع أو لنزاهة ووطنية صادقة لخدمة البلاد، قبل بتعويض أقل، ويجب أن نحذر من جدل الصبية والشعبوية الساذجة التي من شأنها أن تجعل الناس تنظر إلى من يتقاضى أجراً محترماً عن جدارة واستحقاق وبخدمات يشهد له بها الكل أنه ناهب للمال العام، لأن هذا التعميم سيجعل النواب في نظر عامة الناس لصوصاً والوزراء أثرياء ومصاصي دماء، والأستاذ الجامعي بسيارة متواضعة، ليس من أبناء الشعب وليس قلبه على الوطن… وهذا تبخيس وتحريف للمسؤولية ولمفهوم المكافأة.
كل هذا لا يعفي مزوار من مسؤولية أخلاقية في قبوله بتعويضات غير مستحقة، وقد بدا دفاعه عن قبول علاوة 40 مليون مثيراً للشفقة، فالرجل مسؤول سياسي وقائد حزب، والعفة هي الباب الأول للنصداقية، لذلك يجب فتح نقاش هادئ ليس لحذف نظام الامتيازات كليا، ولكن لتأطيرها قانونيا وبشكل شفاف لمن يستحقها، ووضع أسس ومعايير واضحة للاستفادة منها بشكل شفاف، مع التنصيص على ضرورة حذفها في لحظات الأزمة من باب التضامن كشرط أخلاقي.