عبد العزيز كوكاس
“من المؤكد أن للأوهام لذة مكلفة، غير أن تقويض الأوهام أكثر كلفة” نيتشه
لا تنتظروا مني لائحة بأسماء “الانتهازيين الشرفاء”، كما فعلتُ في سابقة حول ولاة وعمال اتهمهم أعضاء قياديون – بمن فيهم وزراء في الحكومة الحالية وفي مقدمتهم رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران – بموالاة حزب سياسي، وقادنا إلى المحكمة التي لم تخرج عاقبتها بعد على خير..
أقصد بـ “الانتهازيين الشرفاء”، طينة جديدة من قياديي الأحزاب والنقابات والهيئات التي حملت مشعل النضال من أجل التحرر والديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان، بعضهم دفع الثمن غاليا من أجل القيم والمبادئ التي حلم بها، لكنه ودَّع اليوم سنين البؤس والنقمة، وانغمس في ملذات الحياة ومباهجها..
العديد من هؤلاء “الانتهازيين الشرفاء” حولوا مواقعهم في مختلف مناصب المسؤولية إلى ضيعات خاصة، أو حقول خلفية لمنازلهم وجعلوا من مسؤولياتهم أصلا تجارياً صالحاً للبيع والشراء، أحياناً برفع نفس المبادئ والقيم التي ظلوا يدافعون عنها في الماضي..

“الانتهازيون الشرفاء” ليسوا بالضرورة وزراء، وقد لا يكونون جزء من التشكيلة الحكومية، بعضهم يهيمن على مراكز المسؤولية في النقابات العمالية، أو في قلب جمعيات المجتمع المدني، وبعضهم في المؤسسات المنتخبة من الجماعات المحلية إلى غرفتي البرلمان، ونصيب منهم يستغل موقعه التنظيمي في ظل حزب سياسي أو مركزية عمالية أو جمعية مدنية… ليجعل منه منبعاً للريع الاقتصادي والسياسي.
“الانتهازيون الشرفاء” ليسوا بالضرورة أولئك المتورطين في جرائم الفساد وسرقة المال العام، ولكنهم قد يسرقون حق جيل من المناضلين في التداول على السلطة والاحتكام إلى صناديق الاقتراع في تقلد المهام والمناصب داخل تنظيماتهم السياسية والنقابية والجمعوية.. ويغتصبون أحلام مناضلين في تجديد دماء تنظيماتهم عبر إعمال الآليات الديمقراطية، هم زعماء أبديون، يُسَوقون خطاب الديمقراطية والتقدم والتنمية… ويتحدثون بلسان الغالبية من أبناء الأمة، ويروجون أمامنا وعود الأوهام في التغيير.. لذلك فهم شرفاء، بعضهم قد يكون بالفعل قد أدى ضرائب السجن والقمع دفاعا عن قناعاته النبيلة، لكنه حوَّل كل هذا الرأسمال الرمزي إلى مجال للمقايضة اليوم، ولم لا إلى رأسمال مالي يدافع عنه ببدائية وغريزية لا تقف عند حدود، ولذلك فهم انتهازيون.. إن انتقدت سلوكهم غير الديمقراطي في الحاضر أشهروا في وجهك سجلهم النضالي بالأمس وما ذاقوه من معاناة في سبيل أحلامهم وأفكارهم، سواء كانوا من أحزاب الحركة الوطنية التي قاومت المستعمر أو من جيل الحركات اليسارية التي دافعت عن حق المغاربة في التحرر والتنمية والديمقراطية.. ويُحملونك أحيانا أخطاء أن الزمن لم ينجبك في هذه اللحظات التاريخية التي أسرتنا بتشويق حديث نضالهم خلالها.
هؤلاء “الانتهازيون الشرفاء” أخطر على المغرب اليوم من الانتهازيين العاديين المنتشرين مثل الفطر بيننا، نعرفهم بأسمائهم وسيماهم على وجوههم… لأنهم حربائيون يتحصنون وراء أسوار الخطابة، ولهم قدرة جورجياس على الإقناع بالشيء ونقيضه، فهم بارعون في إخفاء انتهازيتهم وراء أقنعة سميكة، وبلاغتهم قد تُقنع سكان الإسكيمو باقتناء ثلاجة لحفظ الأحلام ومروحة لتلطيف صهد الوقت..
ما يؤلمني في هؤلاء “الانتهازيين الشرفاء” الذين يسعون اليوم إلى تبييض التاريخ الأسود للسلطة السياسية، هو حربائيتهم حيث يتوفرون على “سَنْطيحة” غريبة لتبرير العصي عن التبرير من أشكال الفساد والاستبداد وترجمتها إلى صور مشرقة للديمقراطية وقيم حقوق الإنسان، والحقيقة أن البعض منهم ممن لا زال يحافظ على عذريته السياسية، يبدو كما لو أنهم يعانون من أعراض “متلازمة ستوكهولم” أو “أعراض هلسنكي” كما تُعرف في الطب النفسي!
تعود واقعة هذا المرض النفسي إلى صيف 1973، حين حاول جان إريك أولسون سرقة بنك في قلب العاصمة السويدية، حيث احتجز السجين الهارب أولسون أربعة موظفين كرهائن لحوالي أسبوع، ورغم المحاولة الشاقة للأمن السويدي لتخليص الرهائن، فإن هؤلاء دافعوا بشكل مستميت عن محتجزين بل جمعوا التبرعات للدفاع عن مختطفيهم، وبعد عرض الرهائن على محللين نفسانيين، تبين أنهم يعانون من أعراض مرض نفسي، إذ رغم تهديد الخاطف وتعريض حياة المختطفين من الرهائن للخطر، استمر تضامنهم معه وإيجاد دوافع إنسانية لتبرير السلوك غير المشروع قانوناً للمختطف، ومن يومها أصبح يُطلق على هذا المرض “متلازمة استوكهولم” أو “أعراض هلسينكي”.
فالعديد من الشرفاء غير الانتهازيين لدينا، ممن انخرطوا في جبهة الدفاع عن المؤسسات الرسمية الجديدة يبدو أنهم يُوَلِّدون حيلا نفسية غريبة للدفاع عمن احتجزهم وعذبهم بالأمس، وأنصحهم بعرض أنفسهم على أطباء نفسانيين للتخلص من عقدة الدفاع عن جلاديهم، أما “الانتهازيون الشرفاء” فأدعو لهم الشفاء ليكفوا عن امتصاص دمائنا باسم ماضيهم النضالي، إذ لا زال هناك “شيء يستحق الانتباه”!
أ