أفكار مقطوعة الظل

0

عبد العزيز كوكاس

“هو فيه يا عزة عندي ممنوعات، غير با حب الناس وباكره السكات” أحمد فؤاد نجم

أصبحت أتهيب هذا البياض الممتد أمامي، أحاول دوماً تجربة الكتابة التي لا تنتهي صلاحيتها بسرعة وكل مرة أفشل..

يمتد هذا البياض أمام بصري مثل صحراء من ثلج، تزدحم الأفكار الحارقة في ذهني، هل يتسع الجسد المغربي لقول كل شيء؟ هل تكفي كل الحرية “الممنوحة” للصحافة بالمغرب على أن نخط جملة واحدة حقيقية بدون رتوش ولا مساحيق ولا توابل؟

مصطفى الباكوري

أريد الحديث عن تتويج الباكوري أميناً عاماً لحزب الأصالة والمعاصرة وخلفياته البعيدة وعن الرسالة الملكية الاستثنائية لتهنئة الزعيم الجديد لـ “البام” وعن اجتهاد إلياس العماري لتحديد من يكون المقصود بعبارة التهييء المحكم للمؤتمر وكيف ناب كمتلقي، لفهم مقاصد باعث الرسالة وأنه ليس المقصود وإنما أعضاء اللجنة التنظيمية، ومن أعطاه كل هذا الحق في تأويل خطاب ليس صاحبه!

لم لا أجرب حرب الإشارات والرموز كما تمثله ذلك اللقاء الجميل بين السلفي الفيزازي والمبدعة لطيفة أحرار وبينها هذه الأخيرة وزوجة الفيزازي التي عبرت عن إعجابها بالأداء الخفي لأحرار، لا يهمني ما قالاه في هذا اللقاء، أنظر إلى البعد المدني/ الحضاري للقدرة على تواجد سلفي له أفكار توجد لطيفة أحرار ، صاحبة القفطان المحلول والمفتونة بتعابير جسدها ثقافيا، على الضفة النقيض منها، هذا اللقاء في فضاء الكتاب الذي له رمزيته، هو شكل المغرب الديمقراطي الذي نريد.. مغرب مؤسس على الاختلاف السعيد لا الخلاف المتوحش والشقي.. أحرار والفيزازي في صورة واحدة غير مفبركة وحدها دليل على انتقال الصراع من عنف الجسد إلى قوة الفكرة…

أحاول أيضا تشخيص أعطاب وحدة موؤودة بمناسبة إعادة الحديث عن المغرب العربي في ظل هذا الربيع الذي غيَّر ملامح أنظمة معظم دوله، والتصقت برموزها الحاكمة كل تراكمات جراح الماضي واختلاف الأنظمة وولاءاتها، وثقل الجغرافيا المنغلقة وجراح التاريخ، وأرى كم هي بخيسة هذه الأحلام الموعود بها لإعادة الروح لجسد المغرب العربي المصاب بالسكتة الدماغية، وأقول إننا سنحتاج لأكثر من عقد من الزمان، بل إلى جيل أو أكثر لبناء مغربي عربي حقيقي، والسبب هو تراكم الحزازات الشخصية بين نظامين سياسيين، هما الجزائر والمغرب بسبب مشكل الصحراء والحدود بين البلدين على الضفة الشرقية، لقد وصلت الصراعات الثنائية حد الإسفاف، و”صْغار اللعب” بشكل كبير بين قادة البلدين، لم يعد الأمر يتعلق بحقائق التاريخ ولا بمشاكل الجغرافيا، بل بحائط نفسي لا يبدو في الأفق المنظور أي بارقة أمل للشفاء من عقده فتح صفحة جديدة في مسار تشكيل وحدة مغاربية لم تغادر غرفة الإنعاش منذ صيف 1994، ويبدو أن وضع الستاتيكو الذي تعرفه العلاقات المغربية الجزائرية، مفيد للنظامين الجزائري والمغربي على حد سواء، وعلينا انتظار عام الفيل لتولد بارقة أمل في المستقبل حول وحدة الدول الخمس.

لا زال هذا البياض يمتد أمامي مثل تنين، ما أصعب الكتابة.. ليس الخوف ما يشغل بالي، بل الرهبة من المسؤولية الأخلاقية لتسويد الأبيض.. تتعدد المواضيع، تزدحم الأفكار في الذهن، وأجدني مقاداً بقوة الأشياء إلى محاولة فهم الإشارات التي حاول تقديمها وزير العدل والحريات لرموز السلفية حين قال بأن إطلاق سراح الشيوخ الثلاثة يعود الفضل فيه، بعد الله، إلى الملك، ليست من الذين يصطادون في الماء العكر، لكني أريد أن أفهم فقط كي لا أموت بليداً!

وتعالوا لنفكر في ما قاله الوزير المكلف بالعلاقة مع البرلمان وصديقه في الحكومة عبد العزيز رباح وزير التجهيز والنقل من وجود قوى خفية تحاول إفشال تجربة حكومة عبد الإله بن كيران.. تتذكرون ما أبدعه عبد الرحمان اليوسفي شهوراً قليلة من تشكيل حكومة التناوب التوافقي حين تحدث عن “جيوب مقاومة التغيير”، لكل مرحلة لها رجالاتها ومسمياتها، أتمنى أن يجتهد أعضاء حكومة بن كيران لابتكار مسميات جديدة للأعداء المفترضين الذين يعملون جادين من أجل إفشال تجربة التناوب الثانية، على الأقل من أجل إغناء قاموسنا السياسي في ظل المرحلة الجديدة.

أما زال في هذا البياض متسع للرحيل دون أن نخشى عوائد الزمن؟!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.