كان الصباح هادئا مثل نهر وكنت حزينا مثل مجداف مكسور قذفت بي الوحدة ..
رمتني بقوة خارقة أشبه بالعاصفة..رأيتني والحديقة المحاصرة بسياج هرم مثل زوجي حذاء تم الاستغناء عن أثر خطاه..
ها أنا في رحم حديقة تماثلني في الوجع ،وحيدا كنت والحديقة ..بذهن يتسع لسماء مثقلة بالغيوم، كانت الزهور تتسلق الجدار الشائك تركب بعضها البعض، تتطلع إلى نسمة هواء خارج الشباك الذي هجرته يفاعة الشباب، القضبان الباردة للسياج لم تعد تخبئ عناقيد الحلم في طيّات منديلها الرصاصي، الشجرة تمد أذرعها خارج سجن الخضرة.. ثمة أغصان مثل ذراعي هجرتها الألحان والأماني الطيبة.
جلست قرب الشجرة فاراً من ضجيج أشياء المنزل، شكوى أفكار خِدَّيجة متصلبة على الورق، الأواني المتراكمة في المطبخ، رحت أتتبّع المشهد بحياد تام..
الأوراق اليابسة تسقط محدثة خشخشة لطيفة ثم تموت كما عدّاد الروح بداخلي، ظِلّ الشجرة يتشابك مع خيوط ظلي، أعضائي انْسلّت بعيداً في أعماق التربة ورأسي أوْرقَ فاكهة جَذْلى،
التقت جذورنا التي كانت تنمو رويدا رويداً فصرت أتغذى من الأملاح المعدنية لأعماق الأرض بممر الحديقة..
أشباح تعبر، آلات صماء ،هيئات سلالية لها شبه بالبشر، تحمل هواجسها وأحلامها، كوابيسها وأحزانها في أكياس من الخيش …تلك اللحمة الرقيقة في أعلى جثتها لا تصعق أي فرد عابر منها، أشكال أجساد وظلال أشباح تمضي في الظلمة مثل أقنعة في فصل مسرحي رديء، فيما الحديقة مثل فكرة مرتعشة تُعوِّد ذاتها على الحياة والموت بلا أنين ولا صراخ، والبلبل دائم البوح بدون منِّ يُلحق الأذى بمن يطوفون على خشبة برية..
فجأة أحسست أني أجلس في وحدتي أنا والحديقة، في حزن لا يليق بوجه القمر، أتنفس من رئة البنفسج.