محمد بلحسن: لم يكن أبا.. صاحبا بالألفة كان كلما ضاقت بنا الأرض صنع لنا سماء، ظل يدفع عنها اليباب  

0

 عبد العزيز كوكاس

نادرا ما نتحدث عن الأب وحضوره فينا -كتابا ومبدعين- رغم أننا ننتمي إلى مجتمع أبيسي، هل في ذلك علاقة ماكرة مع تضخم المركب الأوديبي لدينا.. قتل الأب، كما لو أن الحديث عن الوالد هو حديث بالضرورة عن سلطة القمع والكبت والترويض والأنا الأعلى داخل الأسرة والمجتمع.. ذاك لغز لا يسمح ما حصدته من معرفة لفك طلاسيمه..

ظل أبي دائم الحضور في إبداعاتي، لقد سبق أمي في إهداء أول رواية لي “ذاكرة الغياب”، حيث كتبت: “إلى أبي الذي لم ينضّ عنه تعب السفر وثياب الغياب.. الأب الاستثنائي الذي رفض أن يسكن مرتين: في قبره وفي قلبي”.

في مساري الشخصي، ظل الأب حاضرا بقوة- بالإضافة إلى الأم حنانا ورفقة وحبا بلا حدود- والحق أقول لكم ليس من باب كل ابن بأبيه معجبا، ولكن لأني عشت بقرب شخصية أبي، عبر المعيش والرفقة الدائمة من جهة، وعبر المروي والمحكي عن الوالد من جهة أخرى.. لم يكن مجرد أب بيولوجي.. صاحبا بالألفة كان، كلما ضاقت بنا الأرض صنع لنا سماء، ظل يدفع عنها اليباب، أذاقته كلفة السهر على زغب الحواصل، نتفا من كل ضائقة، وما استسلم ولا خلا من قلبه حب.. فيض حدبه وكرمه كان مثل نخلة لا تبخل بظلها حتى على الحطّابين.. ابتسامته وحدها كانت مثل الحبة التي تمنح الحياة لسنبلة بمائة حبة.. حتى حين خانته قواه لم يتعب قلبه ولا جف ماء واحاته التي آوت الكثيرين، لم يشتك أبي يوما من الحياة التي اجتهدت في محاولة إذلاله في أكثر من محطة من العمر.. ولعلي ورثت شبها غير يسير من هذا.

كان دائم السفر لأنه كان سائق شاحنة لنقل الأنعام التي لم يكن له منها شيئا، حتى صرنا نلقب نحن الأبناء ب”أولاد مول الكاميو”، كان ذلك يعطينا الإحساس ببعض التميز بين الأقران في حي الخير وبعدها في فم الأفعى بدوار الكورة، كلما رآه أطفال الدرب هرعوا إليه ليُقَبلوا يديه وينعموا بما يجود عليهم مما جلبه لأبنائه من حلوى الأسواق.. ومنه ابتليت بالضرب في الأرض والرحيل الدائم في الزمان والمكان والحب… كنت دوما رفيقه في السفر، في الشاحنة بجانبه قرأت كتبا بلا عد ولا حصر، واستمعت إلى حكاياته التي كان ينسى في كل مرة أنه أعادها على مسامعي أكثر من مرة، ولم أكن أسبقه بمكر نحو نهاية الأحداث، لأن الخواتم في حكاياته لها طعم خاص وما كان يزيد من حلاوة وقعها تلك الضحكة الصاخبة التي يعقب بها حكاياته ذات النهاية الطيبة، وهو ما كنت أنتظره..

لم يكن لدينا ما نسد به الرمق حين كنت في السنة الخامسة ثانوي (الجذع المشترك اليوم)، ساءت أحوالنا بعد حادثة سير للوالد.. قبل يومين من عيد المولد النبوي، قصدت أبي واقترحت عليه أن يشترى لي ثلاثة كتب كانت مقررة لدي، وهي “الأيام” لطه حسين و”الطيبون” لمبارك ربيع وكتاب فرنسي لمولود فرعون “ابن الفقير”، بدل شراء ملابس العيد، نظر إلي مليا، أرهبتني دمعة تلألأت في عينيه، شعرت بالذنب، لكن ابتسامته وطبطبته على كتفي أزالت مخاوفي، فقال لي بتأثر واضح: “أنا صابر على حفاتي وعراتي غير باش تقرا وتكون مستقبلك”، عبارة كانت أشبه بالوقود في قاطرة حياتي.. وأتذكر قبلها بزمن بعيد، أني حين رسبت في قسم الشهادة الابتدائية.. لم أقصد المنزل وإنما ذهبت إلى البحر، قصدت الانتحار، بدل أن أجلب العار لأبي.. لكن جبني أو عشقي للحياة كان أقوى!

 

حين علم أبي بانشغالي “الطَّفْلي” بالسياسة، بدأ يسدي إلي نصائحه المهولة عن المخزن وعن مصائر أقوام أعلى مقاماً من شأني.. وغيرها من الحكايات التي تشيب لها الأجنة في الأسابيع الأولى لتشكّلها.. حكى لي يوما رؤيا لا أدري إن كان قد رآها حقا أم كانت وليدة اليقظة :”خيرا وسلاما رآنت في الليل وقد اشتعلت النار في شعر رأسك يا بني، فسارعت إلى إطفائها”، وفسر هذا الأمر على أن النار هي السياسة، واشتعالها في الرأس شر مستطير، أبي لم يكن يقرأ غير القرآن ولم يعلم بابن سيرين الذي يرى أن اشتعال النار في الجسد “قد يدل على السلطان والسلطة وقد يدل على الجن والشياطين التي خلقت منها أو على مدلول أفعالهم أو الفتن خصوصا إذا احتوت على ألسنة الدخان أو تدل على العذاب أو الأمراض”.. وحين سُكَّت النقود الجديدة أخرج محمد بلحسن من جيبه قطعة نقدية من فئة 10 دراهم، اقترب مني بالشكل الذي لا يزعج أحلامي وقال لي بلهجة الحكماء: “انظر يا بني، إن المغرب هو هذه القطعة النقدية، وسطها فضة بيضاء صافية وهي الملك والمحيط بها نحاس وهم الشلة الفاسدة المحيطة بالملك”! كانت تلك خريطته في سياسة جموح الخواطر..

أُقدر صدق الوالد -رحمة الله عليه- الذي لم يُخرج من جيبه قطعة خمسة دراهم، فلكلِّ الوجه الذي يريد.. وحين ألقي القبض علي في مظاهرات التلاميذ في يناير 1984، وقضيت أسبوعا بين كوميسارية الدائرة العاشرة بشارع الكفاح و”الكاطريام” بحي المحيط و”الدوزيام” قرب الكنيسة بالرباط.. خانته دموعه وكاد ينهار، إذ فجأة اختفى ذلك الرجل/الجبل الذي خبرناه في الملمات الصعبة.. وخوفا -على ذلك الزمن الحارق- أن يتم تفتيش البيت، أحرق أبي كتبا في مكتبتي بريئة من أي إثم سياسي..

ولما أحس أننا كبرنا وتآخينا واشتد عودنا، علّق شمسا دافئة على سمائنا، جمع أغراضه وأسراره في بُقْجة لدوائر الزمان هناك، ورحل… أتذكر حين أودعته في أعماق الليل بمستشفى الشيخ زايد، كانت عيناه غير منطفئتين.. تبادلنا النظرات دون أن يتفوه بكلمة، وعدت وحيدا حزينا، وحتى اليوم لا أدري أأودعته اللحد أم أودعني، متعبا عدت إلى لا لا أين؟

لم تشرق الشمس من يومها كأنها استلقت بجانبه على سرير الأبدية، كل نسمة ريح تعيد إلي رائحته، أجده بهيّا كما كان، لم تأكل العتمة أشرعة قاربه.. يده تمتد وئيدا لتشذب ذبالة الشمعة التي كنت أتقاسم وإياها ما تبقى من آخر الليل.. صوته ظل مليئا بالحكايات والمغامرات، خال من التجاعيد.. رائحة عطره نفاذة، تحمل سحر الدوالي والكروم.. لقد مات بشرف النبلاء.. حيث ظل يخفي عنا كل انكساراته وخيباته الموجعة.

وعشتُ الأب كمحكي، تلك المرويات التي كان يحكيها عنه الرجال والنساء من الأصدقاء أو الجيران أو محيط العائلة الفخورين به جدا.. ثريا كان ومثل قمم الجبال التي تتعطل من الخصب، أضاع كل شيء في جنون عشق الحياة ومباهجها، جاء إلى الرباط ابن 17 سنة وتزوج أمي وهي ابنة 12 سنة، وصرف كل وسخ الدنيا على زينتها: الحب، السفر والكرم والبنون.. هو من حرر أمي من اللثام وقب الجلباب.. كان يحب الحياة ما استطاع إليها سبيلا، وحتى حين شحت موارد رزقه، لم يكف عن عاداته القديمة..

طوقتنا مرويات الأب ومحكي الناس عنه- التي تصل حد الأسطرة- بمسؤوليات كبرى، واجب استحقاق الانتساب إليه وشرعية تأكيد شهادة النسل من بلحسن.. كيف نستطيع أن نشبهه، وأن أكونه أنا أيضا بعد فشل أخي الأكبر؟.. هل كان لدي أوديب استثنائي؟ كل ما أعرفه أنه ظل أكبر مني ليس في السن فقط.. لذلك لا زال من عاداتي حين تضيق بي الدنيا على شساعتها، أن أنط سور مقبرة الشهداء بالرباط حيث دفن، في ساعة متأخرة من الليل، أدفن خوفي وأسترشد بنجمة شاردة على قبره، ونتقاسم ما تبقى من الليل بالتساوي، نسترجع ذكرياتنا، أوجاعنا وما تساقط من العمر وأخبره عن أحلامي والزهرة التي عشقها وباقي السلالة، يمد يده إلى جيبه، تم يتذكر أنه هناك بلا جيب، فيمسد بيده الندية ما تبقى من شعر رأسي مبتسما ويتوارى في الغياب..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.