فشلنا الكروي ليس خيبتنا الوحيدة: بدل نصب المشانق للاعبين، حاكموا ثقافة ومجتمعا يصنع الهزيمة والإحباط
“العيب ما شي فاللي تيزرع فالسطح، العيب في اللي تيخمس عليه” مثل مغربي
عبد العزيز كوكاس*
الفكر المأزوم ينتج فكر الأزمة حيث تغدو الهزيمة فكرا وثقافة لها صناع ومنتجون.. معلمون ومتعلمون كما في الحرف التقليدية، ولها جمهور ومتلقون يستلذون جلد الذات والتنفيس عن الكرب المتراكمة هنا وهناك والإحباطات المغيبة قسرا في جوانب معتمة من الذات الفردية والجماعية، وأشكال الاحتماء من غارات الآخر، المتفوق، الغاشم، الكاسح..
سيتبارى المحللون المختصون للحديث عن فشل التدبير الرياضي بالمغرب وتعثر إستراتيجية الجامعة وسيحاول السياسيون شحذ أسلحتهم في الجلدة الساحرة بالحديث عن الفساد الرياضي بالمملكة، لكن النظرة التجزيئية لما حدث للفريق الوطني لكرة القدم في “كان” مصر الأخير، تجعلنا دوما قصيري النظر، حين يأتي الانتصار – الذي أصبح استثناء- ننتشي ونرفع المنتصرين إلى سماوات بعيدة حد الأسطرة، وحين نستفيق على الهزيمة، نُنزل الفريق الوطني إلى الدرك الأسفل، وننصب المشانق للاعبين أجمعين بمن فيهم لاعبو الاحتياط والحكم والمدرب والمساعد التقني ومدير الفريق ورئيس الجامعة والوزير و… هذا إذا كنا “عقلانيين” أكثر، إذا لم نرجع هزيمتنا للحظ الذي لم يحالفنا و”التقواس” و”الزهر” كما قال وزير الرياضة..
فقد تابعنا تعليقات المحللين والمعلقين حول أسباب نكسة المنتخب وصدمة المغاربة، وردود أفعال الجمهور في مواقع التواصل الاجتماعي، فأحسست كما لو أننا نؤمن أن الهزيمة شأننا الخاص، قدر جماعي لا يخطئنا أينما حللنا، لذلك فبعد التشجيع والإطراء على مستوى الظهور الجيد للأسود والاحتفاء الجماعي بالمنتخب الوطني وبرموزه، وبالثعلب رونار الذي تجاوز لأول مرة عقدة جنوب إفريقيا، تحولنا بمائة وثمانين درجة إلى معانقة وضعنا المقهور كما لو كنا في نزهة حلم قصير حين انتصرنا، وتعكس تعليقات وسائط الاتصال الاجتماعي هذا البعد: “الكأس الوحيد اللي تيصدق للمغربي هو كاس أتاي”، وصورة تبرز فريق بنين بتعليق “بنين” إشارة إلى الفحولة والرجولة والفاعلية مقابل الفريق المغربي “بنات” إشارة إلى المفعولية والاغتصاب والضعف، والأغنية التي يبدو أنها سابقة على حدث الهزيمة خرجت إلى الوجود فجأة: “الطيارة تتسنّا فيكم رجعوا بكري كيف ديما، حسن ما ترجعوا فالزحام”.
ولأن الانتصار له ألف أب فيما الهزيمة يتيمة لا أب لها.. لأن لا أحد منا تعلم الجرأة على تحمل مسؤولية الفشل، فإن التحليل والنقد ذاته هو جزء من النفسية العامة التي تحكمنا كمغاربة في كافة المجالات.. ويزداد هذا البعد حدة كلما تعلق الأمر بعلاقتنا بالآخر، حيث الانتصار حلم لا تدوم حبرته سوى لحظة من الزمن ثم يذوب مثل قطعة سكر.. لنعود لامتصاص حنظل الهزيمة، ليس في اللعب الرياضي فقط بل في الحياة العامة.. في الانتقال الديقراطي ودولة المؤسسات وفي التعليم والقضاء على الفقر وفي الدبلوماسية الخارجية…
لماذا لا ننظر إلى الأبعد؟ لماذا لا نجرب زوايا بعيدة للنظر؟
فالكرة والرياضة المغربية عامة هي جزء من تراكم الخيبات والانكسارات التي نتعايش معها في تفاصيل حياتنا اليومية.. من السياسة إلى المجتمع والثقافة وباقي مناحي الحياة، لاعبونا في المنتخب الوطني هم جزء من جلدتنا حتى ولو كبر معظمهم في بلاد الإفرنج، متشبعون بروحنا العميقة وثقافتنا التقليدية ونظم قيمنا السابقة على وجودنا، فنحن كمغاربة يحكمنا فكر القبيلة القادم من أعماق التاريخ، والذي ورثنا العيش في الرعب الناشئ عن التهديد الدائم لإغارة القبائل القوية والخوف المستمر من الوقوع تحت سطوتها الفتاكة وما ينتج عن ذلك من استعباد وعسف واغتصاب وإذلال… وبحكم خضوعنا للأقوى حتى داخل القبيلة للأسياد الذين يزرعون فينا اليأس من قدرتنا على الانتصار والتحرر من مشاعر الدونية والإحساس الدائم بالقهر، والرعب الذي يعشعش في نفوسنا من الآخر المتسلط.. من هنا ضعف مقاومتنا وعدم نهضتنا من كل سقطة.. محكومون في عمقنا النفسي وتكويننا الثقافي بهذا المخزون القبلي التاريخي.. بالاستكانة والمهانة والخوف من الآخر القوي الغاصب وغياب الجرأة وروح الإقدام والشجاعة والاندفاع، ما نراه اليوم له أساس في التاريخ العميق للمغرب لتراكم الخيبات والانكسارات، فأصبحنا ميالين لسيكولوجية الإخفاق مستسلمين للفشل..
لا يمكن أن نفصل اللاعب عن السياسي وعن المجتمع الذي تسوده ثقافة لا تكرس المبادرة والجرأة والشجاعة والثقة في الذات.. لقد حضرت مؤتمرات عربية وغربية كانت تُطرح فيها قضايا سياسية ساخنة، وحضرت ندوات دولية تجعلنا نحتك مباشرة مع الأعداء، وكنت ألمس في السياسيين المغاربة غياب الجرأة والإصابة بالشلل التام وقوة الانفعال والارتباك الذي يضيع عليهم فرصة الإقناع والانتصار، وفي قضايا صغيرة يبدو سياسيون مغاربة وازنون في حاجة إلى من يدفع بهم، إلى من يعطيهم الضوء الأخضر ليستعيدوا الثقة في أنفسهم، يفتقدون للمبادرة وحرية اتخاذ القرار وتحمل مسؤولية نتائجه بجرأة.. هناك نوع من “بلوكاج” الإبداع والمبادرة والمغامرة.. أمة بكاملها تنهزم في لحظة لأتفه الأسباب وأمام خصوم فارغين أو متواضعين جدا..
مقابل هذه الخيبات العميقة والانكسارات المتجذرة في وجداننا، لدينا ردة فعل نرجسية للتغطية على ضعفنا، بالحديث عن كوننا استثناء والمغاربة “واعرين” و”ما يقَد عليهم غير الله”.. فيما يشبه التغطية على الجرح النرجسي الملازم لنا وتوفير سور وهمي للاحتماء، فشلنا في الانتقال إلى الديمقراطية وأضعنا فرصا تاريخية ذهبية نحو وضع أفضل، ونعيش الشيء ونقيضه، النفسية المنهزمة هي مقدمة للفشل في كل شيء، ما نراه في أحزابنا وفي مشهدنا السياسي العام وفي قلب التعليم والصحة… هو جزء من هذه الخيبات التي تسكننا ولا نملك الشجاعة على تسميتها.. ولا تفكروا في عويطة ونوال المتوكل والكروج وأسماء مثل التيمومي وفرس والظلمي.. إنهم أشبه ببيضة الديك.
ملحوظة*
-أنقل هنا خلاصة نقاش تلقائي جمعني رفقة الصديقين الدكتور محمد سبيلا والصحافي عبد الكبير العلوي الإسماعيلي مدير منشورات الزمن على إثر هزيمة المنتخب الوطني بمصر.. وإذا كان لي فيه من فضل فهو صياغته ومشاركة القراء ما دار في جلسة خاصة، أما ما في المقال من هنات محتملة فأتحمل مسؤوليتها لوحدي.