عبد العزيز كوكاس
“نيرون مات، لكن روما لم تمت، لازالت بعينيها تقاتل”
محمود درويش

لماذا لا يرحل الدكتاتور إلا بعد أن يدمِّر كل شيء.. وفي حالة معمر القذافي، هذا الزعيم القادم من قرية جهنم وأحد المبشرين بجدة كما تقول نكت الفايسبوك، لم تكفه أبداً أربعة عقود من التحكم في رقاب شعبه ونَهب ثرواته.. ورغم أنه ليست له أي بارقة أمل للنجاة بعد أن فقد هيبته واحترام شعبه.. فإنه لا زال مصراً على التمسك بكرسي السلطة حتى ولو أدى الأمر إلى إبادة كل الليبيين، ليسود الزعيم ويحكم على أرض محروقة!
ما صدر عن مجنون ليبيا، تقول النكتة، دفع الشعبين المصري والتونسي للاعتذار لإبن علي ومبارك.. “ماتعودو إلى الحكم.. داحنا كنا نهزَّر معاكم!”، لأنه بالفعل، بدا بن علي ومبارك كقائدين نبيلين أمام حماقات معمر القذافي الذي شن هجوما بالطائرات على شعبه، وسخر مرتزقة إفريقيا لقنص المتظاهرين العزل، على الأقل فخطب زين العابدين بن علي وحسني مبارك، كانت لبقة وحافظت على هيبة رجل دولة، بالإضافة إلى أنها كانت مليئة بالاعتذار وطلب الصفح من الشعب.. لكن معمر القذافي، الذي يقتلنا سخرية ورصاصاً، مال إلى لغة قذرة مليئة بالسب والقذف، ما حال هذا الدكتاتور المعمر الذي قذف شعبه بكل أنواع القذائف من التجهيل إلى القنابل؟ كيف تجرأ على ملء خطابه بمفردات الحثالة من المقملين والمهلوسين والكلاب ومأجورين يتحركون بأجندات خارجية و.. و.. وغيرها من الأوصاف الدنيئة التي لا تليق بـ “قائد ثروة” عفوا “ثورة”! لقد عبَّر معمر القذافي عن وحشية استثنائية تجاه شعبه، بدا أنه قادر على إبادة كل ليبيا من أجل أن يظل القائد الفاتح زعيما على جغرافيا محروقة.. كأنه لم يقرأ حرفاً من التاريخ ليعلم أن نيرون، الذي أحرق روما وجلس يتلذذ بأشلاء الجثث المتفحمة، قد مات، وأن روما لم تمت ولا زالت بعينيها تعشق الحياة وتعانق مباهجها..
إنها عقدة “الاكتئاب السلطوي” إن شئتم، حيث يحس خلالها الحاكم أنه وكرسي الحكم وحدة متجانسة حد التماهي، “أنا هو وهو أنا”، روحان تجمعتا في جسد واحد، وأي فصل بينهما لا يعني سوى العدم.. القذافي بدون كرسي لن يصبح “معمراً” بل سيصبح فارغا وأجوفا ومعتلا، لأنه مصاب بحالة “الاكتئاب السلطوي”.. في ليبيا، تأكل الثورة أبناءها وثروة البلد التي استحوذت عليها أسرة العقيد، في ليبيا التي تُقرأ من اليمين كما اليسار، يريد الحاكم أن يُسقط الشعب ويمحيه من خريطة الوجود، فقط لأنه طالب بحقه في الكرامة والمساواة والعدل، لأنه لم يعد يرضى بالذل و”الحكرة”.
وحيد هو القذافي في فرادته وفي عزلته عن شعبه.. وحيد هو القذافي في سخريته وجنونه وفي “اكتئابه السلطوي”..