عبد العزيز كوكاس
يحق لنا اليوم، بعد مرور أكثر من نصف قرن على صدور ظهير الحريات العامة في 15 نونبر 1958، أن نطرح أسئلة مغايرة لمغرب ما بعد الاستقلال، يحق لنا كأفراد، أو كمشروع مواطنين في مشروع وطن حر، أن نطرح أسئلة في مجال الحرية بشكل مغاير لما طُرح في مجال الحريات العامة، ليس لأننا أصبحنا نعيش تخمة الحريات العامة، ولكن فقط لأننا جيل لم يعش إكراهات قمعية تحت نير الاستعمار، وتحررنا نسبيا من ثقل زمن رصاصي، ولو أنه لا ضمانة لدينا بألا يتكرر ما حدث في الماضي.. ولأن الجيل الجديد من الحقوق الذي أصبح يكتسح العالم.. بات يفرض، بقوة الأشياء، نظرة مغايرة للأفراد في علاقتهم بمحيطهم وبذاتهم أيضا.

احتاج المغرب إلى ما يقارب نصف قرن من الزمن لاعتراف القانون بالمرأة المغربية ككائن مدني له حقوق وواجبات، فهل يلزمنا نصف قرن آخر لتكريس هذه الحقوق على مستوى الواقع؟! وبالأحرى أن نتحدث عن الحقوق الفردية؟! لنجرب فقط الحديث عن ذلك، لأن الواقع متقدم على القانون في هذا المجال بالذات، والظواهر التي كانت تبدو شاذة قبل عقد من الزمن، تآلف معها المجتمع وإن جعلها في الهامش من وعيه، لأنه يقبل التعايش معها دون التفكير أو التأطير القانوني لها.
ما علاقة المغاربة بجسدهم؟
قبل التسعينيات من القرن الماضي ما كان ممكنا الحديث عن الحريات الخاصة، إن ضغط الصراع السياسي حول السلطة لم يكن يسمح بغير سيادة مفهوم الحريات العامة (حرية الصحافة، حرية التظاهر والتجمع، وحرية تأسيس الجمعيات)، كان الصراع السياسي يعلي من صالح الهوية الجماعية (الجمعية،الحزب والنقابة) على حساب الهويات الفردية، وكان التمييز الشخصي ضربا من الخيانة للقضية الكبرى..
كان الجسد الجماعي مقدما ومحتفى به على حساب الجسد الشخصي، للأسف، كان ذلك في مغرب ثقافة الوشم كميسم شخصي وكإعلاء تعبيري من قيمة الجسد، هل يحق في مغرب اليوم أن نتكلم عن حرية الجسد، ونحن نرى كيف أن علاقة المغاربة بجسدهم يشوبها الكثير من النفاق والالتباس والغموض والكبت؟! إذ لا زال الجسد المغربي مغلفا بخطاب أخلاقي وإيديولوجي، حيث لا مجال للخصوصية، ولحق الجسد الفردي في نصوص الدساتير والقوانين في هويته المميزة، ودلالاته ورموزه الخاصة.. إذ لم نَصل بعد عقود من الاستقلال إلى ترسيخ قوانين تحمي الحريات الفردية في كافة تفاصيلها، وفي مقدمتها حق الجسد الشخصي في التعبير عن ذاته، وحماية كل التعبيرات الصادرة عن الجسد كهوية خاصة.. رغم الحديث عن الحرية، خاصة لدى أحزاب الحركة الوطنية وفي أدبيات الأحزاب الديمقراطية فإنها ترد بالمعنى المرادف “للتحرر” لا إلى البعد الشخصي في الحرية الفردية…
إن عدم حماية الجماعة للحرية الشخصية، خاصة منها ما يربط المواطن بجسده الفردي – إذ أن الوجود العضوي هو مدخل أساسي للوجود الإنساني- يضيع على المجتمع المغربي الكثير من فرص التطور الديمقراطي الحقيقي، فالمدينة هي أساس الديمقراطية والمواطنة هي أساس المدينة، وأساس المواطنة استقلال الفرد كجوهر وحقه في حريته الشخصية.. فتقم المجتمعات اليوم أضحى يقاس بمدى قدرة الجسد على الإبداع والابتكار والحرية في الكشف عن هويته الخاصة ،عن رموزه وتعبيراته الذاتية خارج ثنائية المقدس والمدنس.. وعلى حد تعبير دافيد بروتون : ف”بدون هذا الجسد الذي يمنح حضورا ماديا ، فالإنسان لا يوجد ، وبهذا فإن الوجود الإنساني هو جسدي”،أو كما قال ميشيل فوكو : “الجسد كان دائما، ولا يزال واجهة تسمها مختلف التحولات الاجتماعية ، وصحيفة ينعكس عليها نمط علاقة الأفراد فيما بينهم ، ورؤيتهم للعالم والأشياء…”
بالأمس كان الجسد المغربي مسورا بوصايا القضايا الوطنية ،محجوبا تحت شعارات التحرير والتحرر والتقدم ،اليوم صرت أخشى أن يصبح هذا الجسد ملفوفا في قماط الزي الخارجي والاطمئنان إلى الرؤى الجاهزة حول الجسد داخل نسق اجتماعي مطمئن لقناعاته الكسولة حول العالم والمجتمع والتاريخ ..حذار من اختزال تعبيرات الجسد في العري أو العبث الساذج بالمقدس لخلق تميز طفلي أو في انتهاك الممنوع بغايات زائفة كالشهرة والتميز.. دون عمق فكري يمنح الجسد الحق في البوح والتعبير عن تمثلاته للكون والزمن وللنسق الاجتماعي البديل الذي يجب أن يحتضن رموزه وقيمه …