غادرنا المهدي المنجرة إذن بهدوء ظاهر وبغليان في دواخله، الزميل عبد العزيز كوكاس صاحبه لمدة يوم ونصف اليوم الأخير قبل هجرته الاختيارية التي يقول إنه لا يعرف نهايتها.. في هذا المقال/ الخواطر والكلمات الأخيرة لصاحب “يطو” الذي يحرس “مستقبلنا”،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حاوره: عبد العزيز كوكاس

الأحد 11 أبريل الجاري على الساعة 11,30 بالضبط أقلعت الطائرة التابعة للخطوط الجوية الفرنسية في اتجاه باريس وعلى متنها الدكتور المهدي المنجرة، الذي من المقرر أن يلتحق بطوكيو، استجابة للدعوة التي وجهتها الجمعية اليابانية للتقدم العلمي إلى الباحث المستقبلي قصد الاشراف على مشروع بحث حول “مقاربة الحداثة في العالمين الإسلامي والياباني”، بتنسيق مشترك مع البروفسور الممتاز يوزاإتاغاكي قيدوم كلية الاتصالات بجامعة العلوم الاقتصادية والرئيس المشرف على الأبحاث اليابانية حول الشرق الأوسط، وعضو المجمع الياباني للثقافة والعلوم، كما سيشرف الدكتور المنجرة على مشروع يندرج ضمن أعمال مركز الأبحاث القطرية حول: “التنوع الثقافي وانعكاساته المستقبلية على الهجرة” بتعاون مع خمس عشرة باحثا، إلى جانب أكير المتخصصين اليابانيين في الدراسات الأكاديمية حول العالمين العربي والإسلامي يوزاإتاغاكيوأكيراغوتو. وسيقوم هؤلاء الباحثون الذين يشرف عليهم أكاديميا البروفسور المنجرة منذ 97، بإصدار حصيلة أبحاثهم خلال شهر ديسمبر 1999. من جهة ثانية، سيعرض على الجمهور الياباني في طوكيو كتاب: “صوت الجنوب”، الذي يضم العديد من أعمال وأبحاث البروفسور المنجرة، مترجمة إلى اللغة اليابانية.
قصاصة وكالة الأنباء التي صدرت يوم 9 أبريل 99 تكتفي بالإشارة إلى المشاركة العلمية، وهو ما يعني أن الباحث المستقبلي غادر أرض الوطن لستة أشهر فقط، لكن لماذا كل هذه الضجة التي أثيرت منذ مارس الماضي، إذا كان الأمر يقف عند حدود التعاقد العلمي مع مؤسسة جامعية يابانية؟ هل يشعر الدكتور المنجرة بأنه لم يحظ بالمكانة اللائقة به في المشهد العلمي المؤسسي؟ هل تزامن حدث إلغاء معهد الدراسات والأبحاث حول المرأة التابع لجامعة فاس واستضافة الجمعية اليابانية للتقدم العلمي للبروفسور المهدي المنجرة تزامن اعتباطي؟ ثم بعد ذلك، هل يعود إلينا قيدوم الأساتذة الجامعيين؟
كل هذه الأسئلة كانت تتصارع في ذهني وأنا أرافق الدكتور المنجرة طيلة يوم ونصف قبل مغادرته أرض الوطن، بمكتبه بأكدال، بشارع محمد الخامس بمقهى باليما، وقد شجعني عقد الألفة الذي منحني إياه الرجل على إمطاره بكل هذه الأسئلة، وتساءلت عما إذا كان الأمر يتعلق بنوع من البنارويا، أو عقدة الاضطهاد، وكان الدكتور المنجرة يجيبني بارتياح.
– أذن قررت أن تغادرنا؟
– هناك ثلاث وقائع مرتبطة ومتشابكة في حياتي، علمتني الكثير، فقد غادرت المغرب في يونيو 48، متجها نحو الولايات المتحدة الأمريكية لا لشيء إلا لمواجهتي لأساتذة التاريخ واللغة، وأنا تلميذ باسم الهوية والحقيقة وسلطة المعرفة، فحصلت على تنبيه وتوبيخ وطرد، حينها لم يبق أمام والدي سوى إرسالي خارج المغرب. وفي ماي 60 طلب مني العودة وتمت تسميتي من طرف المرحوم محمد الخامس في الإذاعة وطلب مني تهييئ قانون أساسي شبيه ب “بي بي سي”. وقد اجتهدت في إعداد الكثير من الأرضيات، لكن لم أستطع ضمان حرية التعبير بسبب العراقيل التي جاءت من أوساط متعددة أهمها سيطرة الداخلية، فقدمت استقالتي ثلاث مرات. وفي المرة الثالثة دعاني جلالة الملك لأكون رئيسا للجامعات المغربية، وحضرت أكثر من قانون، لكن …
رحل عنا الدكتور المنجرة وفي نفسه شيء من “لكن…” المغربية، طيلة اليوم ونحن نتجول في الشارع الرئيسي للرباط كان المهدي يتوقف كل لحظة، يأخذ نفسا كأنه يملأ رئتيه بهواء البلد، يدردش مع بائع الصحف، يطل على واجهات المكتبات، ولحظة أشار بيده إلى قبة البرلمان وقال بلهجة حزينة: “إني جد متألم ونحن في هذه الظروف التي نتكلم فيها عن “التغيير”، أحس بحصار غريب، وهذا ليس تصريحا سياسيا، لأن تقديري لما قبل “التغيير” أقوى مما حصل بعد ذلك بالمقارنة مع ما وعد به هؤلاء، خاصة فيما يتعلق بالحريات العامة.
– ألا تحس بأنك تريد ترميم محنة شخصية وتعميمها كواقع عام؟
– (يضحك) ما حصل لي كان يمكن أن يعتبر مبالغة في رد الفعل، لكن الواقع الذي كنت أخشاه هو ما حصل في مجال الحد من الحريات، إن حادثة المنجرة بسيطة كحدث شخصي لكن الوقائع عرت وبينت أن الأمور أكبر من ذلك، كما أن ردود الفعل التي كانت أكبر مما يمكن توقعه من الشباب والمحامين ورجال الإعلام وبعض الرموز النزيهة التي لم يكن همها فقط شخص المهدي، لذلك فهذا التضامن عضوي ضد كل ما يمس الحرية بالمغرب… والله العظيم في الماضي كان يقال: هل يستحق هذا الشباب جيلي؟ وأنا اليوم أقول العكس: هل يستحق جيلي مثل هذا الشباب المليء بالحيوية والقدرة على المبادرة وعشق الحرية؟
– يبدو الأمر كما لو كان متعلقا بمرجعيات مختلفة؟
– صحيح، فالحرية ليست في النصوص، ولعل موقع تجربتي يميل بي أكثر إلى الموقف الأنكلوساكسوني الذي يعطي أهمية أكبر للبراغماتية ولممارسة الحقوق أفضل من الموقف الفرنسي الذي ورثناه والمبني على النص (المجالس، اللجان، المقررات، اجتماعات مصغرة أو مكبرة…) نتكلم عن النص أكثر مما نتكلم عن ممارسة الحقوق في الحياة، وهذا واقع نعيشه للأسف، والأمر يرتبط بذهنية معينة.
– قد يبدو للبعض أنك رفعت سلاح الهجرة نحو اليابان، لأسباب أخرى مرتبطة ب “وضعك المؤسسي” بالمغرب؟
– أنا رايح إلى اليابان كبلد يقدس الحرية والمعرفة ويشجع البحث العلمي لمدة، والله وحده يدري كم ستستغرق.
– ستة أشهر فيما أعتقد؟
– هناك مسؤولية أكاديمية والتزامات بالنسبة لأبحاث علمية، الالتزام الإداري الآن هو ستة أشهر لكنه يمكن أن يمتد، والله وحده يدري كم سيستغرق مكوثي باليابان، أما الوجه الثاني فصدقني أنا لم أطلب شيئا.. كلما تقدم الانسان في السن يتساءل: ما هي النتيجة التي حصل عليها والحمد لله ليست لي مصالح مالية وطموحات اقتصادية أو سياسية، ما يبقى لي هو هذا الاستثمار المرتبط بترويج الأفكار والإيمان بقوة إشعاع الرأسمال الرمزي، وحياتي معروفة في هذا الميدان، فعندما استقبلني رئيس الدولة الذي أهداني كتابه بلطف كبير، وطلب مني أن أكون رئيسا للجامعات المغربية. كان لي الشرف ليس كمهتم بالبحث العلمي ولكن كمواطن مغربي، قال لي: “هذه ليست وزارة ولا سفارة، هذاعمل مرتبط بصنع الأجيال وبتجربتك الخاصة في الخارج وفي المنظمات الدولية”، من الصعب أن أعبر عن شعوري بهذا الكلام، قلت على الأقل أن هذا الرجل قد فهم طموحي في الميدان الذي يدخل في مجال اختصاصاتي، نفس الشيء لما اقترح علي منصب مندوب أو سفير بأمريكا.
– ألم يكن يتعلق الأمر بسباق معين لانتخاب مدير اليونسكو؟
– لم أبق في اليونسكو، ولم أترشح لمنصب مدير اليونسكو، لأن العمل الذي قمت به بلذة والتزام وبفخر، لم أكن أطمح من خلاله لقبض الثمن، أن أذهب إلى الصندوق وأتقاضى الثمن، والحمد لله إني سأترك البلاد وأنا جد مرتاح، لأني وجدت أن الدفاع عن الحريات ليست مسألة مرتبطة بمؤسسات فقط، لا هذا تجنيد خاص لأننا إذا لم نفهم أن الحرية لها علاقة بقانون الشخص وبداخل الإنسان، يصعب أن نفهم دورها في المجتمع. الحرية لها شروط، وأنا مرتاح وسأبقى على اتصال خاصة مع هؤلاء الشباب الذين أعطوني دروسا عظيمة، ما كنت أتصور هذا التضامن من طرف الشباب، الشباب الذي يمثل ثلثي السكان بالمغرب، وهذا أساس أمل حقيقي ليس في التغيير، التغيير لا يكفي إذ نحتاج إلى انقلاب بمفهومه العضوي غير الدموي، انقلاب في التركيب العقلاني وفي الذهنية، فنحن نعاني الآن من غياب التواصل بين الجيل السابق وهذا الجيل من الشباب، عندنا الآن نوع من الشمال والجنوب في رقعة الأجيال.
– ألا تحس دكتور بأن الكثيرين ينظرون إليك على أنك “شخص مزعج”، ولذلك تناصرك طلائع المستقبل فيما تحاربك رواسب الماضي؟
– والله إن كل ما أملك هو الإيمان، والإيمان سواء كان لدى البوذي أو الملحد أو المسلم هو القناعة بأنك على حق، وهذه القناعة هي التي تحرك ذاتك وحياتك. أنا أؤمن بأن هناك حقا، وفي بعض الأوقات أتساءل هل كان معي الحق، من آمن بشيء فله قوة تأتي من داخل ذلك الحق، الأمر كله يتعلق بقناعة، والقناعة لا تعني أنك دائما على حق لأنها تستند على النية بأنك على حق.
فأنا لم أدخر جهدا لخدمة وطني وخدمة الإنسانية بغض النظر عن مكان تواجدي، وإذا صدقتموني فأنا لدي طفل آخر، وهو هذا الفضاء في الأنترنيت، صار لي أكثر من 150 إلى 200 زائر على أن أطعمهم بالمراجع والمعلومات والآراء والمقالات، فأنت شخص واحد صرت تقوم بوظائف مؤسسة، لا يهم أن تكون في طوكيو أو الرباط أو هلسنكي أو بغداد، إذن لم أترك أي شيء لخدمة المعرفة والبحث العلمي، وضميري جد مرتاح. وأنا أشكر جميع المخلصين الذين تضامنوا معي، الذين أعرفهم أولا أعرفهم: ياريت لو أن بعض الأشخاص الذين مارسوا حصارهم على المنجرة في الجرائد والأحزاب بتعليمات، فهموا أن الحصار مضروب عليهم هم أيضا. أربع منظمات شبابية تجتمع للتضامن معي دون طلب مني أو حتى استشارتي ومع ذلك فهناك جرائد تابعة لأحزاب تلك المنظمات مارست الرقابة ولم تنشر هذه البيانات، تجاهلني أيضا الاعلام الناطق باللغة الفرنسية والذي لم أعتبره مغربيا مائة بالمائة، فهذا الإعلام الفرنكفوني مازال تابعا لل (ماس) وغير الماس. وتجاهلني الزملاء الذين قضيت معهم أكثر من 25 أو 30 سنة باستثناء واحد أو اثنين، إن الخوف ينهشهم حتى النخاع كأنني وحش من الغابة راح إلى جاوا يمكن أنقض عليهم.
لم نستطع عبور الشارع إلا بشق الأنفس، أساتذة وطلبة وبائعو صحف وغيرهم يطلبون أخذ صورة مع الدكتور المنجرة ويهمسون في أذنه “رجاء، لا تغب عنا، لا تترك لهم الملعب فارغا”، حينها ابتسم الرجل وقال: “أنا لست أنانيا، فهؤلاء الشباب لديهم تعطش للتعبير عن إحساس على هذا المستوى، لأنهم لم يجدوا مناسبات كافية للتعبير عن مشاعرهم لذلك فهم يفرغون أحاسيسهم، ونحن بشر، مما يعني أننا نعيش وسط حصار عاطفي، حصار في التعبير، وإذا كان هناك حصار على الأحاسيس فمعناه أننا نعيش وسط حصار ثقافي وفني وجمالي، حصار على مستوى الخلق والإبداع، هذا الشيء الأول السلبي، أما الشيء الثاني الإيجابي، هو أن هذا التعاضد، وهذه المشاعر النبيلة لم تكن موجهة لشخصي، وهي وجه آخر من عدم مصداقية “آخرين”، إذن ما أتاني ليس سوى حصيلة لعدم وجود اتجاهات وهوامش، مثل الماء الذي يذهب عبر مسرب واحد إذا لم يجد منافذ أخرى أمامية وهذا لم يأت بظهير ولا بمرسوم، بل بعملك اليومي والجدي. هذا هو قدري.
حين تركت المنجرة ذلك الصباح، كانت أسراب من الطيور البيضاء تفرد جناحيها في السماء ممددة أعناقها إلى الأمام، متجهة نحو الشمال، ألم يكن الدكتور المنجرة واحدا منها، أم أنه طائر يغرد خارج السرب؟
الصحيفة عام 1999