زعامات الإسفنج

2

عبد العزيز كوكاس

“التاريخ الحقيقي يخلف عقداً” بول فاليري

13707692_1060207977392973_5915054781146794979_n

نفتقد في هذه اللحظة المصيرية لرجالات دولة نبهاء.. نفتقد الحس الاستراتيجي لعبد الرحيم بوعبيد، الحس الصوفي لعلال الفاسي، الاندفاع النبيل للمهدي بن بركة، الحس الوطني لبوستة واليوسفي.. مع هؤلاء كنا نشعر بأن السياسة هي هوية جماعية لذات الأمة.. إذ كان هؤلاء، وأمثالهم كثيرون في الزمن الغابر، يستحضرون مستقبل المغْرب ومصالحه بشكل أقوى مما يفكرون بأنانية في جماعاتهم السياسية.. كانوا كزعماء أحزاب يتصرفون كرجالات دولة، مستقلين في أفكارهم، مالكين لرؤيا استشرافية عميقة، عارفين بخميرة البلد وخروب أهله..

الراحل علال الفاسي الذي كان قادراً على ضرب الطاولة ضد الاستبداد الفردي للحسن الثاني هو نفسه الذي مات ببوخاريست وهو يدافع عن الدولة المغربية وكانت وصيته: “لا تتركوا الملك وحيداً وسط المفدسين”!

الزعيم عبد الرحيم بوعبيد رفض الاستفتاء الذي قبله الحسن الثاني في نيروبي، وعمل على خلق ما يشبه العصيان المدني بالدعوة إلى إضراب وطني في 20 يونيو 1981 ووجد نفسه في السجن، لكن حين اقتضت المصلحة الوطنية تحمل المسؤولية الحكومية للدفاع عن “الوحدة الترابية” كرجل دولة لا كزعيم حزبي أدى ضريبة السجن على موقفه، ولم يكن يدر بخلده أي حس انتقامي ،وكان الرجل في مستوى اللحظة التارخية.. المهدي بن بركة الاشتراكي الثائر، المتقد حماساً، قام بكل شيء لمواجهة الاستبداد وقدم جثمانه الملفوف بالكتمان والغموض، من أجل ديمقراطية حقة في المغرب، لكن حين مدَّ له تلميذه يده عن طريق إبن عمه، ليحل له أستاذه المهدي معادلة صعبة في الرياضيات، أرسل أخاه عبد القادر بن بركة للتفاوض، وأخذ يُعد العدة للعودة إلى أرض الوطن لتحقيق تناوب ظل موءودا حتى نهاية الألفية الثانية.. وقد يكون ضحية لحسه الوطني الذي تغلب على حسه الثوري ليعود إلى الأرض لولا “المفسدين” الذين كانوا بالمرصاد لأي التقاء بين الملك والحركة الوطنية..

قس على نفس النمط ما قام به مناضلون كبار أمثال بوستة، اليوسفي وبن سعيد آيت يدر.. ولو في زمن غير الزمن!

لن أتكلم عن الأدعياء من داخل دواليب الحكم الذين قاموا بنشر كتاباتهم بيننا بعد رحيل الحسن الثاني، فيما يشبه عملية تبييض الأَسْود من ماضيهم، ليبرزوا أمامنا كرجالات دولة كانوا يأنفون الظلم، ويواجهون السلطان ليقولوا له :لا ،حيث يجب أن تقال، مهما كان سيعرضهم ذلك للعقاب أو على الأقل للإبعاد والتهميش، فبن سعيد آيت يدر تحدث عن سجن تازمامارت وسط البرلمان رغم تحذير الحسن الثاني له، وبوستة اشترط في تولي مسؤولية الوزارة الأولى ضرورة إبعاد المرحوم إدريس البصري، وعبد الرحمان اليوسفي انتفض بعد 17 شتنبر 1993 وغضب غضبته الشهيرة على إخلاف الحسن الثاني لوعوده بنزاهة الانتخابات، ولما عَيَّن محمد السادس إدريس جطو، قال له بكل الاحترام الممكن، “لقد تم خرق المنهجية الديمقراطية”!

نرثي لحالنا مع زعماء أحزاب أضحوا ثقيلين على قلوبنا، لا يريد البعض منهم أن يفارق البرلمان وهو الذي يخطب في شبيبته، “ندعو إلى ضرورة التشبيب” وهو يقصد “الشيب”

لن أتكلم عن أثاث الدولة الحزبي من الأحرار إلى (G8)، لأنه مجرد ديكور لتأثيث الواجهة السياسية، ومفتاح باب قراراته لا يوجد بين قياداته الموضوعة لتزيين الفترينة الديمقراطية، وتُحال على الرف مع إبدائها لأي إيماءة بالرفض أو معاكسة توجهات المالك الحقيقي للأصل التجاري لما يشبه الحزب السياسي الذي أصبح عليه شبه زعيم فيما يشبه المؤتمر الوطني من طرف ما يشبه المناضلين..  وإنما حرقتي على الأحزاب الحقيقية التي كانت مستقلة في قراراتها ويؤسفني حقا هذا الحضيض الذي وصلت إليه.

لا نريد نموراً من ورق، نريد فقط زعامات سياسية تشتغل بوزن رجل دولة، ممن يمتلك حاسة استشرافية للمدى البعيد للمستقبل، ويستطيع أن ينتصر لهوية أمة على مصالح حزبه، ويزن بميزان من ذهب حسابات الربح والخسارة في كل ما يتخذه من قرارات ونتائجه على الأجيال الصاعدة لمجموع المغاربة.. لا نريد ثواراً ولا نطمح لزعامات انقلابية لا تعرف إلا الرفض، ولكن حلمنا أن يكون لنا في مثل هذه اللحظة التاريخية زعماء استراتيجيون يضعون مصلحة البلد فوق المصالح الأنانية لحزبهم.

2 تعليقات
  1. Lagdali Malija يقول

    كلامك صح نتمنى ان تعيه اذن صاغية
    تحياتي اخي عبد العزيز

  2. Lagdali Malika يقول

    كلامك صح نتمنى ان تعيه اذن صاغية
    تحياتي اخي عبد العزيز

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.