عبد العزيز كوكاس
محتفظا بهدوئه التام، سار المهدي بن بركة بخطوات واثقة أمام سوشون وفواتو، كانت تلك آخر نظرة للزموري وهو يرى المهدي يسير أمام “الشرطة”، وحسب إدعائه فإن تلميذ المهدي بثانوية مولاي يوسف بالرباط، أعتقد أن الأمر كان يتعلق بحملة تفتيشية ضد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ولأنه أصيب بالرعب ولم يرد التورط في العملية، فقد ذهب ليختبئ عند إحدى عشيقاته، لكن لماذا لم يبلغ الشرطة لتدارك الأمر؟ ولماذا لم يخبر أوساط الطلبة، أو أحد أقارب المختطف إلا بعد وقت متأخر؟
هذا الصمت أثار الكثير من القلق، خاصة وأن زوجة الزموري السكرتيرة في مقر حلف الناتو ببروكسيل ستصبح بعد الاختطاف السكرتيرة الخاصة لسفير الولايات المتحدة الأمريكية بالرباط، والزموري نفسه سيوجد مشنوقا بعد ذلك.
ما العلاقة بين هذه الخيوط؟ ألا يتعلق الأمر بأيادي المخابرات المركزية الأمريكية؟ وحسب جوردون توماس في كتابه “التاريخ السردي للموساد”، فإن الموساد كانت حاضرة في عملية التحضير للاختطاف غير أن عميلها “أوحنا” الذي وصل مع بن بركة من جنيف إلى فرنسا أحس بمحاولة إبعاده من طرف صقور المخابرات الفرنسية، فأخبر رئيسه بالموساد مائير عاميث، الذي استشعر خطورة ما يُدبر في الخفاء، فطالب من العميل الإشراف على تقديم الدعم دون التورط المباشر في الاغتيال!
على متن سيارة “SDECE” جهاز محاربة التجسس الفرنسي سيُختطف بن بركة ويُقتاد إلى فيلا المجرم بوتشيش في فونيتاي لوفيكونت.. أمام المنزل الريفي في ضواحي باريس كان باليس وبوتشيش ينتظران “الطرد الجاهز”، إنه المهدي الذي أنزل بهدوء، قيل له: “إن الرئيس يريد رؤيتك” فصدق، وفي الطابق الأول طلب بن بركة كأس شاي فجاء به المجرم دوباي، لحظة يلتحق فيغون عبر سيارة أجرة بالمجموعة، كان بن بركة يقرأ موسوعة للشباب، يدخن سيجارته ويحتسي الشاي، لكن مع مرور الوقت سيتقدم بوتشيش ليخبر المهدي أن الرئيس سيتأخر نظرا للطوارئ!

بوابة الجحيم
في الجهة الأخرى كان أصدقاء المهدي في حيرة من أمرهم، فهذا الرجل الملتزم بمواعيده لدرجة يمكن ضبط عقارب الساعة على خطواته، غاب فجأة بشكل ملتبس، فالسيد الطاهري الذي ظل ينتظر بن بركة طيلة الصباح ليحضر معه عرضا مسرحيا سيقوم بإبلاغ خبر اختطاف المهدي وهو نفسه ما قام به أخ المهدي عبد القادر بن بركة خاصة بعد اتصالات جرت بين الطاهري وسي ناصر أحد مناضلي الأوساط الطلابية حيث أبلغه في الأخير الطالب الزموري بواسطة زوجته خبر إلقاء الشرطة القبض على المهدي، وفي 12 زوالا سينتدب مفتش الشرطة “كايد” من طرف رؤسائه لإخبار السيد عبد القادر بن بركة بأن أي مصلحة للأمن الفرنسي لم تقم بإلقاء القبض على أخيه.
ما بين الواحدة والواحدة والنصف زوالا اتصل لوبيز هاتفيا بالسيد بوالو مساعد لوروي لإشعاره بما حدث، ولم تفقد خيوط الهاتف بين الرباط وباريس حرارتها، ففي 4 و19 دقيقة بعد الظهر اتصل لوبيز وسوشون من مكتب للبريد بمطار أورلي مباشرة بإدارة الأمن الوطني وبوزارة الداخلية بالرباط، وفي التاسعة مساء يتصلان بأوفقير بمكناس: “ألو إن الطرد وصل – طيب نحن قادمون” وبالفعل فقد أخبر الجنرال الدموي لوبيز وسوشون وهو بفاس حوالي العاشرة وعشرين دقيقة بأنه قادم إلى باريس في الغد على الساعة الثالثة مساء وهو ما تم تأجيله إلى ساعتين فيما بعد، حيث حل المسؤول المغربي ووجد في استقباله الشتوكي والغالي الماحي الذي صرح بأنه كان ينتظر قدوم زوجته ليلى بالمطار فطلب منه الجنرال حجز غرفة بفندق روايال، لن يستغلها أبدا.
نام بن بركة يوم الجمعة دون تناول عشائه، فقد بدأ يستشعر بعض ما يُدبَّر له، وزوال يوم السبت 30 أكتوبر سيصل الدليمي مدير الأمن الوطني إلى مطار أورلي على الساعة الثانية بعد الزوال وبعد ثلاث ساعات يصل الجنرال أوفقير في نفس المطار ويتوجه رفقة لوبيز إلى فيلا بوتشيش، وصل الدليمي رفقة العشعاشي إلى فونطوناي لوفيكونت على متن سيارة لوبيز، فصعد دوباي ووضع منوما في كأس شاي للمهدي شربه على التو، وبعد ربع ساعة صعد بوتشيش إلى الطابق الأول ففهم بن بركة أنه ضحية مصيدة، فقفز من كرسيه وأخذ يدافع عن نفسه بجنون، إذ كان لمنوم فيرغان مفعولا عكسيا تحول معه بن بركة إلى مقاتل شرس.. نجح المجرمون الأربعة دوباي ولوني وبوتشيش وباليس في شده بعد أن أشبعوه ضربا وأوثقوه، فصعد الدليمي والعشعاشي وعندما رآهما المهدي هدأ..
حينما وصل أوفقير كان يبدو مرحا للغاية لوقوع عدوه الأول في المصيدة، وحسب رواية دوباي التي وردت في كتاب علي بوريكات (الذي كان بإحدى المعتقلات السرية بالرباط وأطلق سراحه فطلب اللجوء السياسي إلى أمريكا، وفي كتابه يتحدث عن رواية دوباي الذي كان معتقلا معه أيضا ويرسم خريطة مكان دفن جثة بن بركة التي تم نقلها من فرنسا عبر طائرة عسكرية)، فإن أوفقير أخذ سكينا وبدأ يذبح حنجرة المهدي وصدره بطرف السكين بلذة سادية، أما لوني فيحكي أنه حين جاء أوفقير ارتمى على المهدي بن بركة وشدَّ خناقه صائحا: “ها أنت أيها الوغد بين أيدينا” واستل خنجرا لكن بوتشيش اعترض قائلا: ليس في منزلي!” أما صاحب كتاب “التاريخ السري للموساد” فيحكي كيف أشرف الجنرال أوفقير شخصيا صحبة الدليمي على استنطاق بن بركة وتعذيبه حتى الفجر فأعدموه والتقط أوفقير مجموعة من الصور الفوتوغرافية للجثة قبل أن يتم دفنها في حديثة المنزل، طار الوزير المغربي ومعه الصور!
نشوة القتل
كان للخبر الذي نشرته “لوموند” حول اختفاء المهدي والزيارة الخاطفة التي قام بها الجنرال أوفقير إلى باريس مساء يوم 30 أكتوبر 1965 دوي الصاعقة في الأوساط الفرنسية.
مع حلول الليل كان المنفذون والمخططون للعملية يشربون كؤوس الشامبانيا لمداراة الجريمة، ففي 10 و30 مساء رافق أنطوان لوبيز عائلته إلى لولواري عائدا إلى بيته حيث وجد أوفقير والحسوني (ممرض تخدير) ودوباي وفيغون مجتمعين.
في اليوم الموالي (31 أكتوبر) سينتشر الخبر القنبلة، ففي الساعة السادسة صباحا سيتناول الجنرال أوفقير فطوره مع لوبيز صحبة مغربيين آخرين قبل أن يتوجه إلى جنيف في طائرة الثامنة والنصف، وفي التاسعة سيقدم عبد القادر بن بركة شكوى لدائرة الأمن شانزليزي ثم يتوجه إلى مقر الشرطة القضائية حيث سيستقبله في الساعة العاشرة العميد المداوم مارشان، في نفس الوقت ومع 9 و35 دقيقة كان الدليمي والشتوكي والحسوني الممرض والصقلي يستقلون الطائرة نحو المغرب.
وفي الحادية عشرة و35 دقيقة، يهاتف لوبيز لوروي ليخبره بتوجه أوفقير إلى المكان الذي أقتيد إليه بن بركة بالأمس وهكذا كان المخبر لوبيز يضرب عصفورين بحجرة واحدة، فمن جهة يقدم المعلومات التفصيلية لتحركات المسؤولين المغاربة وتنقلاتهم للمخابرات الفرنسية، ومن جهة أخرى، يعمل لحسابه الشخصي خاصة وأنه كانت هناك ترتيبات لتعيينه في منصب بإدارة عملاقة بالمغرب.
في فاتح نونبر 1965، مع التباشير الأولى للصباح يخبر العميد “كأي” من الاستعمالات العامة لولاية الأمن بأن أحد الخيوط المؤدية لاختطاف المهدي بن بركة تتمثل في جورج فيغون الذي شارك في العملية، ويحاول الاتصال بمحاميه السيد بيير لومارشان النائب الديغولي، ومع 9 و40 دقيقة سيتوجه المجرم بوتشيش إلى الدار البيضاء حسب الترتيبات، وفي 11 والنصف تتم أول جلسة استماع للصحفي فيليب برنيي حيث اتهم الشتوكي وأوفقير بتدبير الاختطاف ووصف موقف جورج فيغون بالمشبوه.
وهكذا توالت الأحداث بشكل متسارع يوم الإثنين 2 نونبر 1965، مع الساعة الثامنة صباحا النائب والمحامي بيير لومارشان يُتلفن إلى العميد كاي، هذا الأخير يصرح أنه علم بالدور الذي لعبه المخبر أنطوان لوبيز في الاختطاف، ومع الساعة 12 يقابل فيغون محاميه لومارشان، في ذات الوقت كانت أسرة بن بركة تسارع ضد الوقت لرفع الصمت عن مصير إبنها، حيث قام عبد القادر بن بركة مع الواحدة و45 دقيقة بالإجراءات القانونية للشكوى ونصَّب نفسه طرفا مدنيا، وتم تعيين السيد بويس زولينجر قاضيا للتحقيق في الملف.
ولما عاد نائب مدير الشرطة القضائية لولاية الأمن بباريس ورئيس الشرطة الجنائية العميد موريس بوفيي من عطلته استأنف عمله في “الكي دي زورفيفر” وتسلم مسؤولية البحث في اختفاء المهدي بن بركة، حيث يُستنتج من المعطيات الأولى التي أعدها العميد المياوم في إدارة الاستعلامات العامة بأن فيغون ولوبيز متورطان في القضية، وكانت أول خطة قام بها موريس بوفيي هي الاستماع إلى شقيق المهدي عبد القادر بن بركة واستدعاء الصحفي فيليب برنيي.
بعد التفتيش توصل “كانتان” والشرطة الجنائية إلى وجود ضيعة واسعة في ملكية المجرم “جورج بوتشيش” الذي تربطه علاقات ودية بصديق الطفولة “أنطوان لوبيز” صاحب فيلا جان دارك، وأنه كانت هناك حركات مشبوهة بين الفيلتين يوم الحادث، يوم الأربعاء 3 نونبر 1965، يعترف سوشون أمام مديره السابق في شرطة الآداب العميد أندري سامبي بمشاركته في الاختطاف بمعية فواتو، وسيرفع العميد سامبي تقريرا في القضية إلى مدير الشرطة القضائية ماكس فيرني الذي سيخبر بدوره موريس بابون والي الأمن الذي تولى نقل تقرير إلى السيد روجي فراي وزير الداخلية الفرنسي، الذي لم يخبر النيابة العامة ولا قاضي التحقيق بالأمر! وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام تبقى مفتوحة رفقة بياضات واسعة لم يجب عنها التحقيق إلى اليوم، فقد صرح مفتش الشرطة الممتاز سوشون بأنه عندما اقتاد بن بركة على متن سيارة مصلحة وبدون رخصة إلى فيلا بعيدة في الضاحية بمعية مجرمين معروفين عوض التوجه إلى مقر الشرطة القضائية، فإنه لم ير في ذلك ما هو غير سوي! إنه أراد إسداء خدمة لعميله لوبيز الذي أراد تسهيل اقتياد بن بركة لملاقاة أوفقير، مقابل ما كان يسديه المخبر لوبيز للشرطة! وبأنه أخبر مرؤوسيه بذلك، وهو ما نفاه وزير الداخلية الفرنسي روجي فراي منكراً أي علاقة تربطه بأوفقير الذي لم يتعرف عليه أكثر من مرة!
هل كان الأمر يتعلق بمحاولة حماية جهاز الأمن الفرنسي المنخور بعد تورطه في العملية القذرة؟ وما علاقة روجي فراي بالقضية؟ وكيف صرح فيما بعد أمام الجمعية الوطنية بأنه أول من فوجئ بحضور أوفقير دون أن يُخبر بذلك؟ يذهب جاك دوروجي وفردريك بلوكان في كتابهما: “لقد اغتالوا بن بركة” إلى أن روجي فراي الذي ذكر أنه لا يعرف أوفقير إلا من خلال إقامة قصيرة مع إبنه في المغرب، أنه قضى في شهر شتنبر 1965 أسبوعا كاملا في ضيعة أوفقير بالمغرب وأن العلاقة بينهما كانت جد حميمية! ألم يكن ذلك جزءاً من ترتيبات عملية الاختطاف؟ أم الأمر مجرد مكر الصُّدف؟!

نجاح أوفقير ونجاته
مع توتر البحث والتحقيق ستؤدي اعترافات لوبيز، الذي سلم نفسه للشرطة الجنائية، بروجي سوشون إلى غرفة الجنايات حيث سيشرع في الاستماع إليه – ومع الظهر سيعود الجنرال أوفقير من جنيف إلى مطار أورلي حيث سيقابل وزير الداخلية الفرنسي خلال حفل استقبال نُظم بوزارة الخارجية على شرف أربعة عمال أنهوا تداريب دراسية دامت ثلاثة أشهر في فرنسا، وأمام إحراج الصحفيين سيصرح بأنه مرَّ بباريس يوم 30 أكتوبر وذهب لرؤية أبنائه المقيمين بسويسرا، وعاد إلى باريس ليحضر نهاية التدريب الدراسي الذي يجتازه العمال المغاربة، كما أنه جاء من أجل تهييئ الزيارة الملكية التي كانت مقررة في 11 يناير، وأعلن أنه فوجئ باختطاف خصمه السياسي…
لقد كان العمل متقنا بدهاء من كل النواحي: عناصر التمويه، حفل السفارة والعمال المغاربة الذين أنهوا تداريبهم وذلك بتقديم الذرائع وتبرير التنقلات بين باريس والرباط.
ومساء نفس اليوم سيحضر أوفقير حفل عشاء بفيلا سعيد “مقر إقامة السفير المغربي وذلك برفقة الدليمي الذي عاد كذلك إلى باريس، وخلال هذا الحفل سيتسلم باليس أحد الفارين من العدالة من يد الغالي الماحي، اليتيم الذي تبناه أوفقير، ما قدره 10 آلاف فرنك فرنسي خصَّه بها وزير الداخلية المغربي مقابل وصل! وهو ما سيثير حيرة الماحي حسب تصريحه بعد اعتقاله.. كان أوفقير ينوي العودة ليلا إلى المغرب، غير أنه لم يجد أي طائرة، فأقام ليلته بمنزل المستشار الاقتصادي للسفارة المغربية. فيما ذهب الماحي مع زوجته والكاتب الأول للسفارة إلى فندق لوري للقاء المجرمين باليس ولوني ودوباي ليعود بعد ذلك إلى محل إقامة أوفقير عند المستشار الاقتصادي، المدير العام للأمن الوطني (62/1965) (تولى فيما بعد ولاية الأمن بباريس خلفا لموريس بابون)، وقام بترحيل الجنرال أوفقير ومدير الأمن الدليمي إلى الدار البيضاء على متن طائرة تابعة للخطوط الفرنسية بدعوى وجود خطر اضطرابات في المغرب!
وعوض البحث عن الحقيقة، فإن مصالح فرنسا في المغرب ستُغلِّب طابع العلاقات الدبلوماسية وهو ما عكسه حوار بومْبيدو الوزير الأول الفرنسي مع وزير الداخلية روجي فراي، وتلك الخيوط المتحركة بين باريس والرباط، إذ يوم 5 نونبر سيحل فيليب مالو مدير الخارجية الفرنسي بالرباط ويتوجه صحبة سفير فرنسا روبير جيلي للقاء السلطات المغربية بفاس بعد تصريحات لوبيز التي وجهت الاتهام لأوفقير، غير أن المغرب رفض تسليم المتهمين تبعا لتأويل الاتفاقية القضائية بين البلدين، وطلب إخبار باريس بأنه سيحيل الملف فورا على القضاء المغربي، فيما ظل الطلب الفرنسي واضحا: التخلي عن أوفقير تفاديا لمصالح البلدين، وهو ما اعتبره الملك الراحل تدخلا في الشؤون الداخلية للمغرب، إذ حتى بعد صدور حكم محكمة لاسي في يونيو 67 على أوفقير بالسجن المؤبد ظل هذا الأخير وزير الداخلية حتى غشت 71.
يوم 11 نونبر 1965 سيوضح لويس سوشون المفتش الممتاز مدير مجموعة قمع تهريب المخدرات ونائبه الضابط روجي فواتو تحت الحراسة النظرية، وسيتكلف العميد موريس بوفيي ونائبه روجي بوابلون باستنطاقهما وذلك بناء على المكالمات التي تمت من طرف إيلي تورجمان وبينهما يوجد رقم سوشون، وعلاقات لوبيز بالضابطين.
ومع استمرار الغموض حول اختطاف المهدي بن بركة ستصدر وكالة الأنباء الفرنسية (فرانس بريس) تصريح أحد موظفي وزارة الداخلية ينفي فيه تورط مصالح الأمن الفرنسية في القضية، غير أن وقائع اليوم الموالي ستكذب البلاغ بعد اعتراف سوشون فواتو رسميا بتواطؤهما في عملية الاختطاف.
ارتباك المغرب الرسمي
أما في المغرب ومع ضغط الحملة الإعلامية الفرنسية وتوجيه أصابع الاتهام للجنرال الدموي، فقد اتخذت أزمة العلاقات المغربية الفرنسية أبعاداً خطيرة، كان أوفقير قد خرج من صمته وصرح لمراسل فرانس بريس: “إن اتهامات العدالة الفرنسية مختلقة” بل إن وزير الفلاحة السيد المحجوبي أحرضان أفصح ببلاغة نادرة قائلا: “إن الجنرال أوفقير لا يمكنه من تلقاء ذاته ليقوم بعمل يمكن لعواقبه أن تحرج جلالة الملك(…) إن المهدي بن بركة بالنسبة لي شخص شرير ويستحق الاحتقار مصيره في الحقيقة لا يهمني، لكن ما أرفض التسليم به هو أن تنجح قضية شخص من أمثاله في زرع الخلاف بين بلدينا!” وفي 6 نونبر 1965 أصدرت وزارة الإعلام بلاغا تشجب فيه “مرتكبي الاختطاف”، وفي نفس الآن تهاجم المنظمات والمنابر المغرضة التي اعتادت الصيد في الماء العكر!
يوم 10 نونبر تصدر الحكومة المغربية بيانا يتهم الإعلام الفرنسي بالكذب مما جاء فيه: “إن المغرب الذي التزم صمت الفضيلة إلى حد الساعة يدين الاتهامات الموجهة ضده، ويشد على ثقته في مسؤوليه”، وسيزداد هذا السعار الرسمي مع تصريح وزير الخارجية الفرنسي “كون دومور فيل” حول أمله في إقالة أوفقير أو إبعاده، ومع الندوة الصحفية التي نظمها شارل دوغول والتي كانت فيها أصابع الاتهام تتجه إلى السلطات المغربية التي قدَّمت الحماية للمجرمين. ولإتمام مسطرة البحث وجه القاضي زولينجر المكلف بالتحقيق في الملف طلبا للسطات المغربية للانتداب القضائي من أجل الاستماع إلى تصريحات أوفقير والدليمي يوم 14 نونبر، خاصة مع بروز جزء من شبكة الخيوط السرية الرابطة بين الدليمي مدير الأمن وفواتو وسوشون من الشرطة القضائية الفرنسية الذي كان يحمي لوبيز كعميل سري، وبوتشيش شريك لوبيز في فنادق الدعارة وجوعطية كزعيم عصابة وأصدقائه، باليس دوباي ولوني، ومحور العملية جورج فيغون.
هذا التلاقي الغريب بين عناصر الإجرام وضباط الشرطة هو ما دفع صاحبا كتاب “لقد اغتالوا بن بركة” إلى القول: “إن بن بركة سقط في فرنسا ضحية هذا التحالف الشاذ، الذي يربط بعضاً ممن هم مطالبين بالدفاع عن القانون مع من يحتالون عليه”!!
في نفس الأسبوع توصلت النيابة العامة بالرباط من وزارة العدل المغربية بأمر اعتقال دولي وطلب ترحيل المجرم بوتشيش، وقد اجتمع إثر ذلك مجلس الوزراء لمدة يومين للتداول في الأمر.. أما على مستوى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية فقد كان لوقع الخبر أثر الصاعقة، فقد أصدرت الأمانة العامة بيانا تدين فيه الاختطاف وتطالب بكشف الحقيقة وإدانة أي مناورة لتحريف طريق التحقيق رابطا بين الاختفاء ووجود مسؤولين مغاربة كبار لمدة طويلة بباريس… أم الشهيد السيدة فطومة بوعنان لم تجد أكثر من مراسلة دوغول تستفسره حول مصير فلذة كبدها، وخارج البروتوكول يتصل شارل دوغول عبر سفارة فرنسا بالرباط بأم بن بركة مطمئنا إياها على أن العدالة الفرنسية ستأخذ مجراها.
رغم مرور خمسة عشرة يوما لم تقم الشرطة الفرنسية سوى بأربعة اعتقالات رغم أنها جمعت قرائن تدل على مسؤولية الجهاز المخابراتي وتورط كبار موظفي الأمن المغربي وأحد أعضاء الحكومة النافذين في الرباط، وهو ما جعل الرئيس الفرنسي دوغول يستشعر وجود عراقيل في التحقيق، وفي الوقت الذي أثارت فيه الأسبوعية الديغولية “جمهوريتنا” فرضية تورط المصالح السرية الفرنسية في العملية واكتشاف الخيوط الإسرائيلية في الملف، غضب دوغول وصرخ “إن العملية برمتها عليها خاتم تل أبيب”، ونتيجة لذلك تجمدت العلاقات الفرنسية – الإسرائيلية، وهو ما فجر الصراع داخل إسرائيل، حيث انهال النقد على رئيس الموساد عاميث من كل صوب رغم تأكيده بأن الموساد لم يتجاوز دورها توفير بضعة جوازات سفر واستئجار سيارات، وظل سلفه إيسارهاريل يردد أن عملية بن بركة لم تكن لتحدث على عهده وهو ما خلف نقاشا كاد يعصف بالحكومة الإسرائيلية.

“أسرار الدفاع” تحجب الحقيقة
مازالت قضية اختفاء المهدي بن بركة تطرح الكثير من الغموض بحكم تداخل مصالح أكثر من دولة في القضية وهو ما يترك بياضات كبرى في خيوط العملية، وحتى في تحديد طبيعة القضية قضائيا: هل هي سياسية؟ أم تمس الأمن؟ أم تتعلق بالتجسس؟ أم الإجرام؟ أم هي جمعت كل هل هذه الحيثيات؟
فحين جاء قرار غرفة الاتهام يوم 25 نونبر 1965 وأخبر العميد بوفيي بإغلاق الملف بعد ثلاثة أسابيع من التحقيق لم يقدم أجوبة شافية لا حول مصير المهدي ولا عن طبيعة الملف!
وإذا كان الملف قد أحيل على أنظار المحاكم مرتين، في خريف 66 وربيع 67 بباريس فإن القضاة حكموا بالاختطاف وليس بالاغتيال، وهذا ما دفع أبناء الزعيم الاتحادي إلى رفع شكوى جديدة حول “القتل العمد والمشاركة في القتل”، فالقضية التي حقق فيها القاضي زولينجر بعد الدعوة التي رفعها عبد القادر بن بركة توبع فيها المتهمون بتهمة “الاعتقال غير القانوني والحجز لمدة شهر والمشاركة”، حيث صدر الحكم في 67 بتبرئة الدليمي والماحي وفواتو ولوروي والصحفي برنيي وحكم لوبيز وسوشون بثمان و6 سنوات سجنا نافذة على التوالي، وعلى أوفقير والمجرمين الهاربين بالمؤبد.
وقد ظلت القضية مجمدة حتى تم إحياؤها في أكتوبر 1975 حيث أسندت إلى القاضي هوبير بانسو وناب عن المهدي المحامي موريس بوتان الذي كان حاضرا في محاكمتي 66 و67 حيث راسلا كل الرؤساء والوزراء في الدول المعنية لرفع اليد عن الوثائق المرتبطة بالملف، لكن بدون جدوى، إذ لم يتمكن القاضي في 14 ماي 1982 من الإطلاع على 200 وثيقة الموجودة بوزارة العدل الفرنسية بدعوى “سر الدفاع” كما أن المخابرات المركزية الأمريكية أغلقت الباب في وجه البشير بدعوى “الأمن القومي”!
وتزداد صعوبة البحث اليوم في القضية بسبب إغلاق أرشيف الأجهزة الحساسة من جهة. وأيضا بسبب عامل الزمن الذي أدى إلى موت عدد كبير من المشتبه فيهم والشهود الأساسيين والمساعدين من الجنرال دغول إلى جاك فوكار ووزير الداخلية روجي فراي والجنرال أوفقير والدليمي وجورج فيغون محور العملية الذي تم إدخاله إلى مستشفى المجانين حيث وجد مشنوقا يوم 17 يناير 66، ولويس سوشون والمجرمين الأربعة الذين تمتعوا بحماية السلطات المغربية قبل أن تعمل على تصفيتهم حسب إبن الزعيم الاتحادي، وآخرهم جان باليس الذي توفي بالرباط في شتنبر 79.