عبد العزيز كوكاس

في قضية المهدي بن بركة، نحس أن الموتى يظلون متشبثين بتلابيب الأحياء، إنه هنا الحاضر الغائب، ذاكرة وجثة، فكراً وموتاً ملغزاً.. في أي محاولة لبناء معرفة دقيقة بالشهيد المهدي بن بركة يحتاج المرء إلى الكثير من الموضوعية والصدق، وإلى ما تسميه الكاتبة زكية داوود بـ “البراءة” في محاولة كتابة حياة هذا الزعيم السياسي الذي وشم مرحلة بكاملها، لكن كيف يمكن للمرء أن يكون موضوعيا وبريئا أمام لغة ليست محايدة، فكلمات: شهيد، مناضل تقدمي، عريس الشهداء، اغتيال.. تجعل المرء متورطاً في السياق التاريخي الذي ما زال يجذب إليه، أحياء عديدين، إذ مثلما رأى دانييل غيران: “هذا الميت ستكون حياته صعبة، هذا الميت ستكون له الكلمة الأخيرة الحاسمة”!
تختلط في صورة المهدي بن بركة تناقضات المرحلة، فهو لدى البعض مجرد ثوري انقلابي، وهو عند آخرين وقود لأحلام مرحلة وجيل بكامله.. أستاذ لملك رمز، ورمز لمغرب مستقل قيد التشكل، وبين الهاذين، هناك من يرى في بن بركة دكتاتوراً، شيوعيا مندفعا أخفى ميولاته الانقلابية، سياسيا متهوراً وطائشاً، جمهوريا في مدرسة ملك… في كل هذا يظل المهدي حلما عصياً عن التملك.. بل إنه أكبر من حلم وأوسع من جرح.
هل مات المهدي بن بركة؟
للموت طقوس، جثمان وقبر.. والأسرة لم تتسلم جثة ولا أقامت مأتماً حول الجثمان، لذلك فموت بن بركة يظل موتا افتراضيا معادلا لطبيعة جريمة الاختطاف وسياقها، ولهذا الغياب الطويل.. لعل هذا ما جعل زوجة بن بركة السيدة “غيثة” تصرخ: “هذا الانتظار تقريبا منهك”! ودفع أحد رفاق دربه، عبد الرحمان اليوسفي، في استجواب مع القناة الفرنسية TV5 يوم 13/9/1999، إلى القول: “لا أعتقد أن ما نعرفه الآن حول قضية المهدي بن بركة من الحقيقة المؤكدة في شيء، رأيي الشخصي أن المعطى الثابت والموضوعي هو أن بن بركة قد ركب السيارة مع لوبيز، كل ما تبقى، يظل في رأيي مجرد سيناريو تم رسمه من طرف السيد لوبيز”.
ما طبيعة السيناريو الذي رسمه لوبيز؟ وما هي مختلف الروايات التي حاولت إعادة سرد وقائع الاختطاف بناء على تصريحات الشهود وعلى تأويل ملفات القضية؟
في السياق التالي نحاول تركيب سيناريو عملية الاختطاف بناء على ما تداولته العديد من الكتب التي اهتمت بالقضية في تفاصيلها والأطراف المخططة والمنفذة، ونحاول تسليط الضوء على جوانب من موت ملغز.

الشتوكي يلقي بالطعم
مثل بطل تراجيدي كان المهدي يسير نحو الموت كقدر شخصي لإثبات وجود آلهة ما، ظل يتحرك بديناميته المعهود ومرحه المشوب برائحة الطفولة، في الوقت ذاته كانت خيوط عملية الاختطاف تُنسج بدهاء في الأروقة السرية لأجهزة الاستخبارات المغربية، الفرنسية، الأمريكية والإسرائيلية، كانت لكل طرف دوافعه المختلفة.. ومنذ عام 1965 ستبدأ عملية تعبيد طريق اختطاف الزعيم الدولي بن بركة.. من خلال اتصالات العميل الغامض “العربي الشتوكي” الذي يرمز له تارة بـ “هـ. ت” مدير أمن سابق بوجدة وتازة، وتارة بـ (الميلود. ت) ويسميه لوبيز “عباس”.. أجرى الشتوكي اتصالات مع الصحفي العامل بمجلة “مينوت” فيليب بيرتيي الذي كانت له علاقات مع زعماء حركة التحرر المغربي.. في مقهى السلام سيتم إغراء الصحفي الفرنسي بإنشاء وكالة الصحافة التي كان يحلم بها مقابل استدراج بن بركة للقاء الجنرال أوفقير، وسيَقترح الشتوكي منانسبة المؤتمر الأفرو – أسيَوي بالجزائر لتمرير بن بركة عبر الحدود المغربية، بدعوى أن السلطات الجزائرية ستغمض العين مقابل تسليمها المعارض الكولونيل صادوق الذي يأتي عادة إلى المغرب.
كان العرض مغريا، لكن بيرنيي لم يساير الخطة، لذلك سيفكر في اقتراح بديل، إنجاز فيلم حول التحرير، وسيتعرف فيما بعد على جورج فيغون الذي سيصبح الرجل المفتاح في القضية، وفي اللقاء الثاني مع الشتوكي الذي كان برفقة فرنسي بعد أسبوع، سيطمئن العميل المغربي الصحافي بيرنيي إلى أن كل شيء سيكون تحت رعاية السلطات العليا الفرنسية والمغربية، وحسب الكاتب “جان بول مارك”، فإن برنيي قرر ألا ينغمس في الخطة دون احتياطات، لذلك سينذرُ شقيق المهدي بما يحيط بالزعيم المغربي من مخاطر لضمان قربه من بن بركة حتى إذا فشلت الخطة بقي محافظا على حسن نيته!
من جهته قام الشتوكي بفتح قنوات أخرى، حيث تعرف على بوتشيش الذي بدوره قدمه إلى أصدقائه ووضعهم تحت إمرته.
في ماي 65 سيستضيف أوفقير بالرباط العميل أنطوان لوبيز، الذي كانت له شبكة من العلاقات الواسعة مع الفرنسيين والمغاربة الإسرائيليين والأمريكيين.. لقد كان يلقب بـ “صديق المغاربة” وسبق لزوجته “أوديت لوبيز” أن انتخبت كملكة جمال للمغرب، كان لوبيز يعمل كمخبر لشرطة الآداب، وكمفتش رئيسي في الخطوط الجوية الفرنسية بأورلي، وقد استغل وظيفته لربط علاقات مع شخصيات وازنة في المغرب، وأخرى إجرامية بباريس، وسيعتبر لوبيز الوسيط الأساسي في تنفيذ خطة اختطاف بن بركة.
في يونيو 65، سيبعث مارسيل لوروي مذكرة إلى جهاز الاستخبارات الفرنسية (SDECE) يفصل فيها المعلومات التي استجمعها عميل الأمن الخارجي لوبيز حول استرجاع بن بركة بمبادرة من أوفقير وسيتم استعمال طعم الصحفي برنيي الذي فاتح بن بركة في شأن مشروع فيلم عن زعماء التحرير بعنوان “Basta! كفى” حيث تم ذكر إسم فرانجو كمخرج وجورج نيغون (مخبر للشرطة كممول.. لكن مارسيل لوروي لم يتلق أي جَواب، وَهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام، فالسلطات الفرنسية كانت على علم بجميع التفاصيل، فلماذا لم تقم الحماية للزعيم المغربي؟
الفيلم وسيناريو الاستدراج
في الضفة الأخرى كان بن بركة يتنقل بين عدة عواصم في أفق انعقاد الاجتماع التمهيدي لمؤتمر القارات الثلاث حيث حلَّ بالقاهرة يوم 2 شتنبر 65، وهناك ستبدأ الخيوط الملتبسة للعملية… أحست المخابرات المصرية بتعقب الشتوكي لخطوات بن بركة وأفشلت محاولة فرقة خاصة تعمل تحت إمرة أوفقير لاختطاف بن بركة، الذي نصحت عائلته بتغيير مقر سكناها، في 15 شتنبر بمطار أورلي بفرنسا، نزل بن بركة وصديق يهودي يدعى “جو أوحنا” قد يكون استخدم من ماتير عاميت رئيس الموساد الذي كان يوجه رسائل مشفرة إلى أوفقير، لم يكن المهدي يتخذ الحذر الكافي، لقد ظل متابعاً في كافة تفاصيل حياته من استخبارات عواصم عدة.. في ذلك الحين كان الشتوكي على موعد مع الصحافي برنيي في حانة مونطانا بسان جيرمان دي بري برفقة شخص هيأته هيأة مجرم ضليع، وفي الوقت الذي كان الراحل الحسن الثاني يبحث عن حل لمعادلة رياضية، كانت تجري محاولة إلباس كل أحداث 23 مارس 1965 للمهدي بن بركة.
في 20 شتنبر سافر الشتوكي إلى جنيب، حيث سيلتحق به فيغون وبرنيي على نفس الطائرة التي كان بها المحامي والنائب الديغولي بيير لومارشان الذي ادعى في التحقيق أنه سافر من أجل موكل له يدعى “إيتنبول”، ومع توالي البحث، تبين أن أحد الركاب يدعى إيتنبول سافر إلى المغرب بعد اختطاف بن بركة يوم 30 أكتوبر 65.
ولربط حلقة الوصل بين المغرب وفرنسا، يوم 5 أكتوبر 1965 سيعود الماحي الغالي عميد شرطة ممتاز كان يعمل بديوان مدير الأمن المغربي، وقريب أوفقير من جهة زوجته، سجل نفسه في المدرسة العليا للدراسات التجارية في غشت 65 كموظف تابع لوزارة الداخلية، حَل الماحي بباريس والتقى الشتوكي أحد مساعدي الدليمي، الذي طلب منه أن يدله على منزل أنطوان لوبيز ملك الخدمات المتبادلة، الذي سيصبح دليل أوفقير الأساسي، هو وصديقه بوتشيش المجرم الخطير في عصابة “جوعطية”، وهو ما يدل على أن المخابرات المغربية بدأت تستقطب الأيادي القذرة لتنفيذ اختطاف بن بركة.. الذي بدأ يطلع على بعض تفاصيل فيلم “Basta” وقد رفض أن يكون بتمويل إسرائيلي وحين مده فيفون بنصف مليون فرنك فرنسي رفض تسلمها ونصح باستثمارها لصالح أعمال اجتماعية.

إتقان الفخ
مع توالي أيام تحضير عناصر الدراما الحزينة بدأت تبرز إلى الوجود خيوط جديدة.. ظلت الاجتماعات والتحضيرات جارية على قدم وساق بين رجال الأمن المغاربة والعملاء والمجرمين الفرنسيين، وهكذا تم وضع اللمسات الأخيرة على الخطة يوم 25 أكتوبر بمنزل أحد أصدقاء بوتشيش، حيث حضر لوبيز والشتوكي والكولنيل الصفريوي والعربي الشلواطي والماحي، ويتعلق الأمر ببييردو باي أحد الحراس الخاصين للمجرم “جوعطية، وجان باليس وجوليان لوتي”.
يوم 27 أكتوبر على الساعة التاسعة ونصف سيتصل المهدي بن بركة من جنيف بمنزل برنيي ويقترح عليه تخصيص الأيام الثلاثة الأخيرة من أكتوبر لمناقشة الفيلم بعد قدومه إلى باريس محدداً معه موعداً للغذاء بأحد مطاعم سان جيرمان، مبلغا إياه أنه سيكون صحبة مؤرخ شاب قد يفيد في التعاون معه وهو ما وصل إلى علم الموساد، من جهته سيقوم الصحافي برنيي بإخبار فرانجو كمخرج للفيلم ويكلفه بإبلاغ فيفون، وسيجري الشتوكي محادثات مع لوبيز وسوشون يوم 28 أكتوبر لوضع آخر اللمسات على خطة اختطاف المهدي بن بركة.
نحو الجحيم السري
لم يكن يوم 29 أكتوبر 65 عاديا بكل المقاييس، بالنسبة للمهدي بن بركة، الحي/ الميت الذي كان محافظا على مواعيده دون اتخاذ أي احتياطات، وهو المناضل الأممي الثوري المطلوب رأسه من أكثر من جهة.. وبالنسبة لمهندسي ومنفذي خطة الاختطاف التي أخذت تقتربُ نحو الصفر.
في التاسعة صباحاً، اتصل أنطون لوبيز برئيسه في المخابرات لوروي لإشعاره بمقابلة بن بركة لبعض المغاربة ظهر اليوم، وأنه لن يحضر إلى أورلي لاستقبال الجنرال جاكيي المدير العام للمخابرات الفرنسية العائد من ليشبونه، في نفس الوقت كان بن بركة ليتوجه إلى مطار أورلي.
بزقاق جان ميرموز يستودع المهدي أمتعته عند صديقه “جو أحنا” ويجري بعض المكالمات الهاتفية، في نفس الآن كان المخبر لوبيز والمفتش الممتاز سوشن يتواجدان في فناء نوتردام، ينتظران إشارة الضوء الأخضر، من مراكز السلطة العليا التي هي أوبير مدير ديوان وزير الداخلية الفرنسي حسب سوشون، ولو مارشان حسب نقابة الشرطة.
ينتقل سوشون إلى مكتبه للبحث عن مساعده فواتو الذي صرح بأن المفتش الممتاز سبق أن قال له بأنه سيحتاجه في خدمة تتعلق باعتقال مهرب مشهور يحمل وثائق مزورة!
المنعطف الأخير
على الساعة 11 صباحا يلتقي بن بركة الطالب الزموري في ساحة الشان زليزيه، ثم يتوجهان إلى سان جرمان دوبري على متن سيارة أجرة وذلك قبل الموعد المقرر في مقهى ليب، حيث طلب المهدي من الطالب إنجاز دراسة وتحليل تاريخي حول حركات التحرر في القارة الثلاث بالإضافة على المساهمة في فيلم “Basta”، وقدم له السيناريو الذي أنجزه فرانجو، بالموازاة مع ذلك سيطلب العميل الشتوكي من لوبيز الاتصال بالرباط ما بين الرابعة والخامسة مساء بمدير ديوان الدليمي ومدير ديوان الجنرال أوفقير، محتوى المكالمة لا يتجاوز الشفرات الملغزة: “ألو، طردك جاهز”، “لقد وصل ضيفك”.
كانت عناصر العصابة المكلفة بتنفيذ العملية هناك، قرب مقهى ليب، لوبيز متنكراً، ولوني يجوب الشارع جيئة وذهاباً، وفي الجانب الآخر هناك سوشون وفواتو وآخرين، البعض يطالع جرائد فرانس سوار للتمويه، والبعض الآخر يراقب حركات الفريسة، والكل ينتظر التعليمات، وفيما كان المهدي يتجول مع الطالب التهامي الزموري في انتظار الموعد، تقدم الشرطي سوشون نحو المهدي مبرزاً لوحته المعدنية مع الساعة الثانية عشر وربع زوالا، وخاطب المهدي بلطف: “اتبعني من فضلط” والتمس من الطالب الزموري الابتعاد.
محتفظا بهدوئه، استسلم المهدي بن بركة بخطوات واثقة أمام سوشون وفوات، كانت تلك آخر نظرة ألقاها الزموري على المهدي، وآخر حلقة مجمع عليها من طرف كل الحكايات.. أين حمل المهدي بن بركة؟ متى حضر الدليمي وأوفقير إلى منزل العصابة المجرمة؟ ما مصير جثته، هنا يوجد الخيال أكثر من الحقيقة، وتتضارب الروايات..
في الجزء التالي تركيب لسناريوهات ما حدث تلك الليلة بين باريس والرباط