عبد العزيز كوكاس
“لا شيء خارجك لديه سلطة عليك” رالف إيميرسون
تبدو سيرة أبراهام ألبير السرفاتي كدفاع مستميت من أجل أن يكتب المنهزم في صراع السلطة تاريخه الخاص ويروي حقيقته النوعية دون خنوع أو خضوع.. في معركة الكفاح الوطني أو في مواجهة نظام سياسي مبني على القوة، اختصر جسد السرفاتي وشم تاريخ المغرب المعاصر.

كان مثل نخلة شامخة تمنح ظلها بعيدا عن أنانية جدعها، لذلك ظل رمزا لجيل حلم بوشم مغرب عادل ونامٍ متقدم ومتحرر بتوهج الحضور، فرمته قوى العسف إلى سراديب الغياب… برغم قضائه 17 سنة في جحيم سجون الحسن الثاني، وثماني سنوات في المنفى، لم يحمل ذرة حقد تجاه جلاديه وظل يحذر رفاقه من مزالق شهوة الانتقام والتباساتها… في ذاته تُختزَل جراح عقدين من الزمن الرصاصي لمغرب، بدل أن يخرج من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، خرج من سجن أصغر ليتحول كل الوطن إلى سجن كبير، قاعة الضيافة فيه تبتدئ من درب مولاي الشريف إلى هوامش مدن الصفيح وقسوة الحياة في المناجم وسغب جوع صغار الفلاحين والمهمشين المغتصبين في حياتهم.. ولأن الأحلام هي بوابة الحقائق، فقد اتبع درب الحلم الذي قاده إلى درب مولاي الشريف، الذي لم يستطع أن يغلق قلوب جيل عن حب الأب الروحي لليسار الجديد، الذي سيظل مثل الوشم على جسد اليسار الجذري بالمغرب.
لم تسعفه هشاشة القلب، في أن يمضي نحو الأقاصي لمؤاخاة ظلال حلمه بمغرب ينمو ببطء، لكن بخطى الواثق من وقع أقدامه على إسفلت الطريق.. إنه الموت:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع.
كل اللغات ستظل دون شموخ قامة رجل خرج من نعيم دواوين الوزارات دون أن تغريه حواء بالفاكهة المحرمة، وحده الحلم قاده نحو عتمات السجون ويُتم النفي بتهمة جنسية اقترحها على الدولة زعيم حكيم من اليسار.. وما بدَّل تبديلا!
كل مفردات اللغة ستظل كسيحة عن أن تساير قامة رجل دق أجراس الخلود، جمرا وألما وعنادا لا ينتهي، خارجا من زهو البطولات المنكسرة ألقا وضياء.. وحده يُجسد تلك المساحة العميقة التي طبعت مرحلة بكاملها من المغرب المعاصر، بين جراح الحلم وأعراض الهزيمة، كأنه النشيد المدوي لانكسار أنغام البطولات والثورة الحمراء التي لم تخرج من كراريس “إلى الأمام” لتترجل قليلا في جنوب المتوسط وتسير بشموخ الأطلس بين الكولخوزات والسوفخوزات ومشاريع الطبقة الطليعية كما نظَّر لها هربرت ماركوز..
وحده يحمل في ذاته تلك الشعارات الصادحة المبشرة بغد أفضل وضجيج الرفاق الذين تعبوا أو تفرقت بهم السبل.
أبراهام السرفاتي ليس فردا كما تتبدى سيرته المثبتة على لوح سجلات الحالة المدنية أو تقارير المخبرين وسدنة الزنازن.. أبراهام هو المغربي اليهودي، اليساري الديمقراطي، الشيوعي الوطني، القومي التحرري… هو الجمع الذي قال لا في زمن كان شعلة من نار، حيث تحترق أصابع السياسيين ممن لا يلوون عنق الحقائق لتتكيف مع ربطات عنقهم، قال لا رافضا ومحتجا بصدق الأنبياء، وقليل هم من صادقوا الدرب وصدقوا…

في 12 يناير 1926 رأى أبراهام السرفاتي النور بمدينة الدار البيضاء بملامح يهودية أندلسية., كانت بنادق المقاومة في جبال الأطلس تصدح بقوة ضد المستعمر فيما رائحة انتصارات البارود تنتشر في جبال الريف تتحول تدريجيا إلى أسطورة ستصبح ملهمة لكل الثورات الموؤودة التي عرفها المغرب الحديث.
وفي 18 نونبر 2010 بمراكش كان رموز اليسار، صحبة من آخته في ظلال الحلم ومحنة السجن، كريستين دور، يقودون الرجل نحو مثواه الأخير.
بين الزمنين عاش السرفاتي، الذي خبر كل أنواع المعادن، بين طغيان نظام الاستبداد بلونيه الغربي متمثلا في الاستعمار الفرنسي الذي ألقى عليه القبض في أبريل 1950 وحكم عليه بشهرين سجنا، ثم أعاد اعتقاله في شتنبر 1952 ليتم إبعاده في دجنبر من العام نفسه عن المغرب.. والاستبداد الشرقي متمثلا في نظام الحكم الفردي المطلق الذي قاده إلى دهاليز الاعتقال مرتين، في دجنبر 1962 ومارس 1965، وفي يناير 1972 وفي نونبر 1974، حيث ذاق كل أصناف التعذيب النفسي والجسدي في درب مولاي الشريف قبل أن يحاكم بالسجن المؤبد ضمن مجموعة 77 الشهيرة في 15 نونبر 1977، ويتم نفيه إلى باريس في 13 شتنبر 1991 تحت ذريعة أنه برازيلي الجنسية… حيث تخلص منه النظام مثل “جمرة خبيثة” بعد 17 سنة من السجن قضاها بين اغبيلة بالبيضاء والسجن المركزي بالقنيطرة.
من سجن إلى سجن، ظل أبراهام السرفاتي، طاقة مشتعلة من الأمل والحب والحنين… طاقة إنسانية ممتلئة برحيق الحلم، طاقة متجددة منفتحة على الكوني والمتغيرات الدولية، ولولا خوفي من أمريكا لقلت – على شاكلة ما وصف به الماغوط الشاعر أنسي الحاج – إنه طاقة نووية، وستبقى المشاعر التي أبلغه بها الملك محمد السادس محفورة في ذاكرة الرجل إلى الأبد، إنها نوع من التكفير عن خطيئة نظام سياسي عاقب جيلا بكامله على مجرد حقه في الحلم، يوم أعاده معززا مكرما إلى وطنه، يقول الراحل السرفاتي: “لقد أبلغني الملك أولا بأن رجوعي أمر بديهي وبدون قيد أو شرط، ثم رد إلي الاعتبار بصفتي مواطنا مغربيا كامل الحقوق خلال الأسابيع الأولى التي تلت عودتي، ويوم أعاد إليَّ جواز سفري وبطاقة هويتي، بعث إلي ثلاثة من أقرب المقربين منه، بينهم مدير الديوان الملكي، كي يسلموني هذه الوثائق بأنفسهم ويبلغوني بأني أصبحت أتمتع بكامل حقوقي، بما في ذلك لقبي كمهندس مناجم، وبأن الملك قد أهداني هذا المنزل.. هذه السلسلة من الأعمال الخيرة تتجاوز بكثير الحسابات السياسية، وفضلا عن كونها تشريفا لي، فإنها تبعث في نفسي كثيرا من الآمال في مستقبل المغرب بقيادة الملك محمد السادس”.
كان السرفاتي بالنسبة لنا، نحن الذين لم نصل عتبة الجامعة إلا في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، سليل دهشة وخيط دخان، منارة لإرشاد السفن التائهة وهو القابع في السجن المركزي بالقنيطرة، فيما سيسميه – فيما بعد – بـ “المنطقة المحررة” من المغرب، لأن موت سعيدة المنبهي وآخرين في حرب الأمعاء الفارغة، سمح للرفاق بالانتقال من بروليتارية الاعتقال إلى بورجوازية السجن، حيث الخلوة الجنسية والكتب والتطبيب، بل حتى ضمان الخروج من السجن والعودة إليه قبل غروب الشمس، إلى أن حدثت واقعة غرق أحد المعتقلين السياسيين في وادي أبي رقراق… ففي السجن وبالضبط في عام 1986 سيعقد قرانه على كريستين دور المرأة الفرنسية التي كانت إلى جانب كل النبلاء في العالم، كان يوما استثنائيا في تاريخ السجن المركزي بالقنيطرة.
وحين التقيته وجها لوجه بصحبة عبد اللطيف اللعبي وجمال براوي في طنجة بمناسبة الجامعة الخريفية التي نظمتها جمعية بدائل بفندق سولازور ذات عشاء، رقصنا فيها فرحا بقطب يساري لم يشب عن الطوق.. كان لا يزال مؤمنا بالتغيير وإن في سياق متبدل، صوته أكثر رزانة زالت منه الكثير من الوثوقيات والطوباويات.. أو حين زرته صحبة الزميل نور الدين مفتاح عام 1999 بإقامته على شاطئ مانسمان بالمحمدية الذي هيأه نور الدين عيوش.. كنت أود أن أقف على ما خلفته فيه سنوات السجن من انكسارات وأحقاد.. لكن ظنوني خابت، كوَّمتها في أكفان ضعف بشري، لم ألمسه في أبراهام السرفاتي، على خلاف كل من نعتوه بالخيانة و”بيع الماتش”.. يومها حضرتني حكاية الشاعر أحمد فؤاد نجم مع الصحافي الذي جاء ليستوجبه في منزله الفقير في الحي الشعبي بالغورية، حين سأل الصحافي: يقولون إنك خنت القضية؟ فأجاب الشاعر الساخر، وهو يشير إلى ما سقط من متاع الدنيا في بيته الموحش: تشتري بكم يا وله؟!
في عز الاستجواب كنا كمن يحرك المواجع الراقدة في تاريخ السرفاتي، كان يتكلم بثبات ويروي أحداث محاكمة مجموعة 77 لحظة وصفه للمحاكمة بالمفبركة وتوجهه إلى القاضي بنفس الحماس، لدرجة أنه نسي لحظة أنه يجلس على كرسي متحرك، فرفع يده وهو يردد النشيد الجماعي الذي غنته المجموعة في قاعة المحكمة وأراد أن يقوم من كرسيه…
لم يكن بوسع سدنة الزنازن أن يئدوا في السرفاتي حق الحلم، ذلك الإصرار النبيل ليكون الإنسان حرا معنى ومبنى، وأن يكون في وضع برجوازي طيب مع العالم ولو من أجل الدفاع عن فكرة بروليتارية!
للتعليم فضائل قصوى على السرفاتي، كمتلقي وكمرسل.. لقد درس بثانوية ليوطي بالبيضاء، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبتين هما الفلسفة والرياضيات عام 1973، ليلتحق سنة 1945 بالمدرسة الوطنية العليا للمعادن بباريس، إذ حصل منها على دبلوم عال في الهندسة المدنية للمعادن، وفي قلب عاصمة الأنوار سيصبح الفتى أبراهام عضوا في الشبيبة الشيوعية عام 1944 ثم إطارا في الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1945.
مارس مهامه كمهندس للمعادن ومديرا لورش الأبحاث المعدنية بالأطلس المتوسط سنتي 1949 و1950، ومباشرة بعد الاستقلال تقلد منصب مدير ديوان كتابة الدولة في الإنتاج الصناعي والمعادن سنة 1958، ثم مدير المعادن والجيولوجيا من يناير 59 إلى يونيو 1960، وفي ذات الوقت كان مكلفا بمهمة في ديوان الراحل عبد الرحيم بوعبيد، وزير الاقتصاد الوطني في حكومة عبد الله إبراهيم.. لكن مهنة التدريس وحدها، كانت تمتلك جاذبية وتمارس سحرا على أبراهام السرفاتي، حيث سيعمل كأستاذ باحث بالمدرسة المحمدية للمهندسين، بالإضافة إلى إدارة “مشروع المعادن بالقسم النهائي، وتدريسه لمادة التكنولوجيا بكلية العلوم الاقتصادية بين 1964 و1965، قبل أن يصبح مديرا للدراسات بين 1971 و1972 بالمدرسة المحمدية للمهندسين التي حولها إلى مشتل لنخب اليسار الجذري.
وحتى بعد استعادته لحريته يوم 13 شتنبر 1991، تحت ضغط داخلي ودولي، ونفيه إلى فرنسا حيث عاش كلاجئ سياسي، اشتغل الراحل السرفاتي بالتدريس ما بين 1992 و1994 بجامعة سان دوني بباريس في مادة “الهويات الديمقراطية بالعالم العربي”.
لقد خدم التعليم السرفاتي بأن خلص ذاكرته من ضجر الزمن وضوضاء العابر والطارئ، فكان مثل صوفي صادق الدرب وسار عليه وجعله سرا لم يفصح عنه إلا للخلصاء من الرفاق الخمسة الذين أسس معهم سرا نواة الحركة الثورية” إلى الأمام”، ولأنه نجا من تعب البكاء على أعطاب الماضي وخيانات ناسه، فقد ظل مؤمنا بأنه لا يخشى الموت سوى الموتى، وحتى في اللحظات التي كان يحس فيها بطعم الهزيمة.. كان يبحث على أعلى ربوة لينصب عليها، مرحليا، راية الاستسلام.. ويعاود مراجعة الفكرة المرة تلو الأخرى، بحدس من يشعر أن الذين لا يغيرون أفكارهم، كلما برز عطبها، يحبون أنفسهم بشكل أناني أكثر من عشقهم للحقيقة.. تجديد فكر السرفاتي في كل لحظة تاريخية يعود أيضا إلى التربية التي نشأ عليها الرجل، فأسرته المنحدرة من الأندلس تحمل رسم ثقافة باذخة قادرة على التكيف مع تبدلات الزمان، ونصائح أبيه الذي كان ينتمي إلى الحركة الماسونية، إلى ما كان يسمى “الشرفاء البناؤون”، كانت دوما حاضرة في تفكيره.
لعب الراحل السرفاتي دورا كبيرا في وضع قانون العامل المنجمي، ورغم إغراءات منصبه، كمدير قسم الأبحاث والتنمية في المكتب الشريف للفوسفاط الذي كان يحول التراب إلى تبر يراكم عائداته النافذون في البنوك السرية، فيما يشبه تبييض الأموال.. من 1960 إلى 1968، لحظة إضراب العمال المنجميين، الذي جعل البرجوازي الناعم يخرج عن صمته ويعلن تضامنه مع العمال المضربين في الفوسفاط، ويخاطبهم: “إن المكتب بدونكم، لا شيء”، وهو ما عرضه للطرد، ليلتحق في نفس السنة بالمدرسة المحمدية للمهندسين وبهيئة تحرير مجلة “أنفاس” التي كان يديرها رفيقه غير المهادن شعرا ونضالا، عبد اللطيف اللعبي، الذي أسس برفقته “جمعية البحث الثقافي”.. في المدرسة المحمدية للمهندسين سيحدث أول لقاء غريب بين السرفاتي وأوفقير، هكذا رواه المناضل اليساري :”حدث الأمر في اليوم الأول للانتخابات التشريعية الأولى في المغرب عندما دعا اليسار إلى مقاطعة الانتخابات كان ذلك صباح يوم أحد وجاء أحدهم ليقول لي أن الشرطة قد احتلت المدرسة المحمدية للهندسة وكان الطلاب قد صعدوا إلى السطح وكانوا يلقون قصاصات معارضة للانتخابات.. وكانت الشرطة قد جاءت لذبحهم بكل ما للكلمة من معنى، توجهت إلى المدير كنت أعرفه وكان صديقا لي فقال: “هذه كارثة”، لكنه لم يضف شيئا.. توجهت إلى السلالم، فقد كان الطلاب على السطح، صعدت كي أراهم بينما كانت الشرطة تحاول إنزالهم بالقوة، بدأت أحتج وأصرخ فأنزلوني بالقوة أيضا، في الأسفل كان يقف الجنرال أوفقير لا أعرف إن كان قد رقي لرتبة جنرال حينها، توجهت مباشرة نحوه وقلت له:” لا يحق لك فعل هذا”.. أوفقير لم يكن يعرفني، لم يعرف ما إذا كنت مغربيا أم فرنسيا، لو عرف أنني مغربي لأرسلني مباشرة إلى قسم الشرطة أو السجن قال لي:” أخرج من هنا يا سيدي” أو شيئا من هذا القبيل لم يكن بوسعي سوى تنفيذ ما قاله والخروج، لكن بعد ذلك بساعتين جاءت شاحنة شرطة وأوقفوني وقادوني مباشرة إلى مكتب أوفقير، يجب أن أروي هذا، سألني:” كم تجني من العمل في مكتب الفوسفاط؟” وفي ذلك الوقت كنت أجني ما يقارب ثلاثمائة ألف فرنك، فقال لي:” عليك أن تتلقى كل صباح ثلاثمائة ألف ضربة بالعصا”ََ !
حين أسس السرفاتي صحبة ستة أشخاص، سينسحب واحد منهم، منظمة “إلى الأمام” جمرة الحياة والموت، كان الأمر أشبه ب”الانتحار” الطبقي، كانت الخطابات النارية مثل بنادق كلاشنكوف تبشر بحرب التحرير الشعبية، لذلك سيصبح السرفاتي مبحوثا عنه لدى البوليس السري وهو ما اضطره للتخفي في بيت لصديق فرنسي هاجر المغرب وترك له الشقة وبطاقة الهوية، وعاش متنكرا لمدة سنتين، أطال شعره وغير من شكل هندامه وأسعفته فرنسيته على العيش حرا حتى عام 1974، ومع ذلك استمرت وزارة المالية في ضخ راتبه الشهري، وهو ما سيكلف أخته إيفلين السرفاتي حياتها، حيث كانت تملك حق التصرف في سحب المال من حسابه البنكي، وهو ما اكتشفه رجال الأمن الذين اعتبروا أنها تعرف مقر إقامة أبراهام وهي من توصل له المال.. ولأنه لم تكشف عن مكانه قدمت حياتها في محرقة “سقطت الأقنعة فلنفتح الطريق الثوري”…
لم ينل السرفاتي من هذه الدنيا غير ما تملكه العصافير من حق الطيران فوق الأرض وشرعية الحلم، لذلك ومنذ انخراطه في العمل السياسي في صفوف الشباب الشيوعي سنة 1944، من الحزب الشيوعي الفرنسي إلى الحزب الشيوعي المغربي، حتى تأسيسه منظمة “إلى الأمام” في 30 غشت 1970 عبر انفصاله عن رفيق الكفاح علي يعتة.. كان السرفاتي يناضل من الطرف الأقصى لليسار عن الحق في مغرب اشتراكي بدون طبقات، استهوته، كما سائر جيله، أوهام ودوغمائيات لم تسقطها كل تجارب ومحن السجون، وحين انصبت المعاول على تحطيم الجدار الفاصل بين الألمانيتين، كان الرجل قد تسلح بالكثير من الوعي، ليبعده عن صنمية الفكرة لأنه ابن واقع متجدد، كانت الأفكار الشيوعية حينها مختلطة بحلم مجتمع بدون طبقات، إذ “سيكون الاستعمال الأمثل للذهب هو أن نصنع منه مراحيض عمومية في الساحات العامة”، كما بشر بذلك لينين، وبين ثقل جبروت الدولة الحمراء التي ابتلعت كل المجتمع، الذي تحول بمجموعه إلى أفراد أشرار، من أجل إنقاذ إلاه الفكرة الطيبة: “الشيوعية”.
سيقول البعض إن جدران السجن المركزي وحدها من حمى فكر أبراهام السرفاتي من الانهيار، ونقول لا، إنه من مكر التاريخ أن يكون أكبر مستفيد من انهيار الشيوعية هو أكبر مدافع عنها، لأن انهيار جدار برلين 1989، كان أحد المقدمات الأساسية لانهيار جدران السجن المركزي بالقنيطرة، حيث أفرج عن أقدم معتقل سياسي يوم 13 شتنبر 1991.
ومع ذلك ما بدل تبديلا، إذ ظل من باريس، يعاند من أجل إصدار نشرة “إلى الأمام” الصادرة في أبريل 1992 في حلتها الجديدة..
ثمة ملمح آخر طبع مسار أبراهام السرفاتي، وهو خصيصة مغربية تنأى عن المقارنة مع أي بلد من بقاع الدنيا، وهو هذا التآخي بين اليهودية والإسلام، فما خِيضت حروب لإقصاء الرجل من زعامة مرحلة بسبب انتمائه، ولا استعمل انتسابه الديني، لا من طرف الدولة ولا من طرف خصومه في أي منازلة سياسية، كان الرجل إلى جانب رفاقه من المغاربة اليهود ممن نددوا بالاحتلال الإسرائيلي في نكبة 1967، وظل يعبر بدقة الخبير الحدود الفاصلة بين تعاليم التوراة وما تمخض عن مؤتمر بال.. لذلك وفي الوقت الذي كان فيه العديد من اليهود المغاربة يحلمون بالعودة إلى أرض الميعاد المقدسة، ظل السرفاتي يحلم فقط بالعودة إلى أرض الوطن، ويصيح بأعلى ما تبقى في حنجرته من هواء التحدي:”أنا عربي يهودي مناهض للصهيونية وأدافع عن فلسطين”.
ليعذرني أنسي الحاج الذي كان يقول: “باعة الرثاء حملة صلبان مزورة”، فأنا ما كنت أرثي سوى ما تبقى من حلم في جيلي، و”تشتري بكم يا وله”.