لا ريح في جهة البيت والشراشف لا تتحرك، لم يهز الهواء تنورة الزجاج، لن يستطيع المصباح المتلصص رؤية فخذ النافذة.. والنافذة أس البيت، إطار للوحة الفضاء، هي عين السماء على العباد، لها أعين مثل أعين البغايا لا تثبت في المحاجر، عين الذئاب وهي تبحث عن ضحية.. والباب صدفة الأسرار، صندوق باندورا العجيب، سيد العزلة وحارس أحلام اليقظة، والدولاب مقبرة الذكريات.. السرير ألبوم المواجع ،وشم الأحلام ومؤرخ البيت.. والعتبة باب للفراق والسلام.
للسجادة أن تتزوج عتبة البيت وتقيم حفلا للقادمين بمزاج هادئ، لم تعد تتوقع المفاجآت ومخاض الآتي، جفت ضلوعها من حليب رؤى الغيب..الكرسي والطاولة يتناجيان خفية، يتبادلان شجن الحنين إلى الشجرة الأم، حيث موطن الطفولة ووشم ألم الحطاب الأول.. العشب في الحديقة لا ينام الليلة على إيقاع خطو المساء ولن يصحو بقبلات الندى وهمس الفراشات المسهدة.. التمثال يتثاءت ولا يستطيع حمل يده إلى الجبين ليزيل محنة عياء السنين، والشرفة تتدثر بالحلم وتؤنس وحشتها بناي الريح القادم من أول الشارع، فيما المزهرية تعانق نحيب الورد كي لا تحس بالوحدة فوق برودة الرخام.
لماذا يبدو القلم متعبا فوق الورقة.. يكتم الشهوة في حنجرته ويستسلم للكسل، لماذا لم يرتجف القلم خوفا من حزمة أوراق غامضة؟ تحس الممحاة بالملل، وأنها غير قادرة على محو سطر من تاريخ الكذب ولا تصحيح خطإ إملائي أو تبييض الأسود..الملعقة لا تحب أن تطلع الطست والفنجان على أسرارها، والوزْرة المعلقة ظلت تتأرجح هناك على المسمار بدون جثة أو دليل حياة؟
ماذا تقول النافذة للشمعة الذابلة، كيف تتقاسمان شطيرة الحزن وفرط التعب؟
في الطرف القسي تحس المكنسة بعزلتها، وانكسار عودها في زاوية يعلوها الغبار، آه لتعب السنين وغزو الآلة.. شاخت المكنسة حيث أصبح الغبار يختال بقربها وفوقها، طليقا وهازئا.. ما أثقل النسيان والغبار، والمكنسة متعبة، ملت الوقوف على ساق واحدة.
لم يعد يتذكر المصباح، أثناء شهادته، غير أنه كان هناك سجين الأعالي، يتقرى احتضار الأشياء، كل ما صرح به هو أنه “في آخر تلك الليلة.. مرت الحياة بجانبي، مثل أثر مصباح فان.. بالكاد ترفع يدها للتحية، ثم تذوب في الزحام مثل صوت خافت، صوت يتيم بدون صدى”.
جرس الباب أصيب بالخرس ولم يعد يبشر بفرح القادمين.. نمت الأشواك والطفيليات على قبره، و فقد القدرة على غسل جسده من أوزار خطأ الآخرين في العنوان.. والجدران تكتب التاريخ بحبر سري مخافة تجسس الغريب، وتنام واقفة كمن يحرس ظلال الأشياء، وتتساءل في صمت كاب:
ــ لماذا يجرح المطر عش الطير، ويغير عادة الحيطان؟
لماذا يبدو الهواء متعبا، والنسيم يحتاج لرعشة كبرياء كي لا يبقى عليلا؟ من يحرر الظلمة من أسرها ويهدهد الغمام على إيقاع ناي حزين؟
الوحوش تستسلم إلى غفوة عمياء، الطرائد تمرح في العشب الرخو، والمياه مثل جنازة للملائكة، والأشجار تهدد عش العصافير بأنها ستتعرى للريح.
في الطرف القصي من البيت غاصت سلة المهملات في أوهامها.. هي قبر للفشل وتاريخ أعطاب التجارب البشرية، حريق للأوهام، ركام من الأسرار غير
المرغوب فيها، غابة من الجراح وغبار للعطب.. لم تتلعثم إلا بكلمات غامضة، وخفت أن تعطس فيصاب جسدي ببثور مخلفاتها.. وحين أخذ الهواء العليل
يزحف، صنعت له رجْلا خشبية وعكازا يساعده على المشي، لعله يشفى من سقمه.
ظلت السارية تنظر إلي بحياد، تقف حسيرة الرأس، كيف تخلفت عن مواعيدها وتسمرت هناك منتصبة مثل حارس ليلي، بدون نبض ولا أنين، حافية القدمين كما تذبل وردة على أصيص مزهرية، تلمح زهو الستائر بنفسها، صرير الباب وأنة السرير، ونزهة الملعقة في طست القهوة؟ وحدها ترصد المسافة بينها وبين تاريخ الأشياء التي كانت ممتلئة بالحركة، لا لوحة ولا امرأة ولا تكتكات عقارب ساعة حائطية تدفئ الأوصال.. تمر قربها الريح وجرار الغبار طليقة، ووحدها المكبلة بسوار الحديد..
هي الآن تشبهني في كافة التفاصيل: أنا الذي أقف على شفير الهاوية، ساكنا وهادئا كشاهدة قبر، خفيفا كقبلة، جارحا كوشم.