اتكأت على شرشف شاهدة قبرك، فلمست أناملي رائحة قبلة مطفأة، التفت من سهوي فوجدتك هناك كضوء الشمعة الأخيرة، تطل بجسدك الرخامي من نافذة الجدار المشقوق، تلوذ بالصمت احتماء من لحظة جارحة، فيما لم تغادر شفتيك تلك البسمة المنحدرة مثل شلال.. يضيء أسى عميق عتمات عينيك، دليل الغواية إلى منافي أخرى، حيث استرخاء العمر الذي يمنح لحنك آهات تشبه لون شعرك.. تحملني فيخرج صوتك محملا برنة بكاء تتجمع عليه جسور وحكايات حزينة.. صوت عذب ومريح، كأنه يخرج من مكان آخر غير حنجرتك ثم يتلاشى في الفضاء.
كنت أعلم، ولو أني لم أصارح نفسي بذلك إلا بعد فوات الأوان، حين غمرني إحساس فاجع باليتم، أن جدرانا رخوة رصت بيننا ومسافة ماء لا ترى ستحجب أثر خطواتك عني.. وها أنا أسمع وقع أقدامك على سطح كفي العاري.. أغوص عميقا في مسام جلدك المرابط خلف أقنعة السراب، فتسلمني الجراح والحنين إلى باب تطل منه نخلة على طريق درب الذاكرة، حيث يجوس الحالمون والتائهون في دروب النسيان، كأنهم يغتسلون بماء سري مما تساقط من ثمار الأرض.
هل ما زال في وسعنا أن نتبادل التحايا، كما الهدايا، لولوج بوابة الحنين؟ هل لديك متسع من الوقت لتطل من صندوقك الحجري على إسمي؟
كلما غمرني طيفك في المساء، أتساءل: هل تغادر العصافير أعشاشها في هجعة الليل؟ وكيف تستطيع أن تقطع كل هذه المسافات القصية من عتمات الصمت الأبدي لتقف أمام وجهي جليا كالصحو؟
تسير واثقا من خطاك عابرا مفازات وحشية وبراري بدون دليل، كأنك والرحيل وجهان لحقيقة واحدة، تنافس الريح أي منكما يسبق الآخر نحو هاوية الغياب.
من الصعب أن ألمس وجهك المشع كحبة تين طازجة دون أن تتقد أصابعي، فتوقد زمنا مجنونا يروي أحلامنا بثقوب الغياب..
بالأمس بقيت وحدي، حلمت أمي أنها تهبك يقظتها وتنام في منتصف الطريق، واليوم لا أتصور كيف ستعبث الديدان بهواجسك، وكيف ستمنحها أحلامك اليانعة لتقتات عليها؟
كنت دائما على موعد مع الآتي، تضع العصا بين رجليك وتحكم ربط السرج المذهب ثم تمتطي حصانك المطهم، عابرا مساحات شهية لتلمس تفاحة الأفق، وظلت رموش عينيك مشدودة إلى الشمس، كأنك تبصر سماء أخرى غير سمائنا، سماء تقرأ فيها حروف المرايا ونصوص الغيب..
فجأة تستسلم للنعاس، فتنحني قامتك التي يجللها الغيم.. لم تجد الوقت الكافي لتلقي علي تحية المساء الأخير، في رمضان الذي استضاف لحظة المنعطف/ الهباء، لم يترك لك الموت فسحة لتكتب وصيتك المحملة بعطور الرغبات المستحيلة، وصوتك تحول إلى ما يشبه هديل الحمام الذي يبني للعشاق درجا قرب شجيرة ظليلة، لم يمهلك الموت قليلا لتكمل حكايتك عن الحب والموسيقى، ولم تترك لنا فرصة لإعداد طقوس الوداع.. لم تترك لنا سوى صدى ظلك.
أتذكر حين كنت تنتصب مع الأطفال الصغار مثل قصور رملية على درب الزقاق، تتراشقون بماء المطر، تشمرون على سواعدكم النحيفة، وتلجون بركة الماء بأقدامكم الملساء، تتصايحون مهللين، وترشدهم أنت، تعلمهم كيف يوجهون مراكبهم الورقية بعصا موحلة نحو ممالك الحلم ومباهج الحكايات، فترتسم الخطوات واضح أمام المدارج المبللة بماء قدسي، حيث تتصاعد رائحة البخور وتتعالى وعود البرق، فترى الفرح يصل من تراب أخر ومن نافذة أخرى.
كنت تنأى بعيدا، تحمل نايك وتصعد نحو التلال المجاورة لحقولنا، كانت أمي ترغمك على النوم في القيلولة، فتمتنع كمن يخشى أن يغافله قدر أعمى.. وعندما أزف موعد الرحيل، قدرت أن تموت وعيناك مفتوحتان على المدى المشرع بالأسئلة وجنون الوجود، وفي منتصف الطريق إلى الهواء الموجع، تتوقف لحظة، تحك جلدة رأسك كمن يحث فكرة على الخروج، ثم تتوجه على مهل نحو الزقاق، تتملى واجهة الدور العمياء ثم تفك أزرار قميصك لتشرع جسدك للانكسارات التي لاحقت شجرة أسمائنا..
كانت تلك البسمة آخر أغنية عزفتها لي على وتر الريح في عيد فرحي بأول عشق وأكبر انكسار.كم مرة كنت تنأى عنا وتغرق في الغياب، ثم تطفو أمام أعيننا لنراك بعشق متوهج، تلك رسالة أخرى في الوجد، فهمناها بعد تكرارها.. كنت تود دائما أن تقيس حبنا لك بنبضات غيابك، لا بعقارب ساعة الحضور.. فكيف تقودك متعة اللعب إلى جحيم الموت؟
لا معنى الآن لجلوسك خلف ركام الانكسار، كأنك تسلم الوديعة لصاحبها قبل أن تبلغ العدة. كم مرة ستحيى في لأرثيك ولأبحث لك في مسام جسدي عن جنازة جميلة؟ وأقول لأصدقائي: “رجاء لا تبكونه، فالحالمون لا يموتون مثل الشعراء”.
في الليالي الغامضة للحلم، أفتح الشباك على الغياب، فأراك ترقص على زبد البحر دون أن يراك أحد، تتمايل مثل زهرة برية، تنحني قليلا مثل نهر لتعبرك موجة ناعمة ثم تستقيم، تبتسم في وجهي دون أن تفوه بكلمة، تستضيفني في محرابك الرخامي لحظة، تبادلني الغناء وترشف من كأس الشاي الساخن الذي كانت أمي تحثك على احتسائه على مهل، ثم تغادرني وتتركني أرقص وحيدا على إيقاع فوضى السراب.. يحرق التعب جسدي، فأتكئ على شاهدة قبرك، أرخي عبء هواجسي عليك.. أية فجيعة يمكن أن يحسها المرء حين تهرب الأشياء الصغيرة التي يعشقها، فجأة، من النافذة وتغرق في ضباب الغياب.
نم يا حبيبي في سرير الأبد، استرخ قليلا كيما يكبر ظلك.. الآن فقط أستطيع أن أتذوق طعم المرارة في تلك الفروق غير المرئية بين الحضور والغياب.