ما أروع  البياض والحلم

0

تمتد هذه الصفحة أمامي مثل تنين شاره فاه، وددت لو قسمت مساحة هذا البياض إلى جزئيات صغيرة، أكتب في كل جزء منها بعضا من سواد القلب.. عزيزي القارئ دون أن نستبلد بعضنا، لنكون واضحين كما الحقيقة وأصرح لك: “ليس لدي ما أكتبه الآن وهنا.. هل تثق بي وأنت تدفع جزءا من قوت العيال وإكراهات المعيشة، أو بضعا من وقتك الثمين.. تريد المقابل”.. هل حين أهديك البياض، بياض هذه الصفحة، أهديك الهباء؟

أنت تعتقد أن كل كتابة هي نسيج الموت، لذلك نحن نكتب على بياض، صنو الموت.. لست أدري كيف أُحس كلما استعصت علي الكتابة، صورة كاتب يحار أمام بياض الصفحة بلقطة رجل يسير وسط صحراء من ثلج يمتد إلى ما لا نهاية دون أن يعثر على بغيته..

ليس لدي ما أكتبه اليوم، أرى السائقين يحترمون الضوء الأحمر، والراجلون يعبرون الخطوط البيضاء المرسومة، والشرطي ودود لدرجة أنه يتحول إلى “بابا نويل” طيب، يقدم التحايا للسيارات العابرة دون انتباه للونها أو ماركاتها المسجلة… أرى المواطنين يحترمون طابور الإدارة، والإداريون يأتون إلى مكاتبهم في كامل يقظتهم ولياقتهم، ويقدمون ابتسامات هادئة لزبنائهم ويجيبون على أسئلتهم بكل لطف وبدون رشوة.

أرى الشوارع نظيفة، وقمامات الأزبال محكمة الإغلاق في كل مكان، التلاميذ في بذلهم الأنيقة يصطفون لتحية العلم الوطني ويتوجهون إلى قاعات الدرس أمام أساتذة راضين مرضيين، أرى فيما أرى مواكب سياسيينا النافذين تمر بدون ضجيج أمامنا نحن الماضون إلى عملنا كما لو نذهب إلى أماكن العبادة، لا تُقطع علينا طريق ولا يزعجنا انتظار.

أطفالنا لم يعودوا يسندون رؤوسهم على شوارع تغتصب براءة طفولتهم، لقد امتلأت بهم المدارس ورياض الطفولة، وشبابنا لم يعد يعتنق أعمدة الكهرباء وجدران الحي، ولم يعد يجد الوقت ليعد خيباته على أصابعه، فلديه الوقت الكافي للعمل، ولممارسة الحب والاستماع إلى الموسيقى، والذهاب إلى المسارح ودور السينما التي امتلأت بها المراكز والهوامش.

ليس لدي ما أكتبه اليوم، إن مزاجي رائق، والكتابة متشحة بالسواد ولون الكآبة، وأنا لا أرى أمام حفرا في الشوارع ولا مجاري للصرف الصحي مكشوفة تزكم الأنوف، الورود تتفتح والأشجار تُزهر في حدائق أحيائنا، وفي الجانب الآخر من الحديقة هناك ملعب للأطفال وللكبار أوقات للتسلية.. أجلس في مقهى، يبتسم لي النادل بمودة.. لا يمر بجانبي كلب سائب ولا متسول أضاع أحلامه في منتصف الطريق إلى الحياة!

أنا اليوم بمزاج رائق، أخاف على حريتي وأفضلها على سجن بخمس نجوم.. أمارس الحب كما أشتهي، أستمع إلى الموسيقى دون تجريم من أحد، أحلق ذقني أمام المرآة، دون أن أنزعج من صورتي، أقرأ جرائد اليوم ولا ينتقل سواد حبرها إلى شغاف قلبي.. لم أعد شبه مواطن في شبه وطن مع أشباه مواطنين، فلماذا تريدونني أن أكتب دوماً عن السواد، فأنا اليوم مع حكمة إيليا أبي ماضي:

قال: السماء كئيبة، وتجهما قلت  ابتسم، يكفيك التجهم في السماء
إنها ديمقراطية الحلم، هل يمكن للحلم أن يكن ديمقراطيا… ما أقرب الأرض ما أبعد السماء.

الحلم ليس كالحكم، أبعد مسافة من وقائع الأشياء، ومن الواقعية العمياء التي تبلّد الحواس، لم يعد أمامنا إلا أن نُربِّي حجل آمالنا في زاوية قصية لا تصلها فظاعات اليومي المحيط بنا.. لكن القلب عليل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.