“يموت الجبناء قبل موتهم الأخير، أما الرجال الشجعان فيبقون أحياء حتى بعد موتهم“ وليام شكسبير
عبد العزيز كوكاس
“إنه القحط.. القحط مرة أخرى
وفي مواسم القحط تتغير الحياة والأشياء، وحتى البشر يتغيرون، وطباعهم تتغير، تتولد في النفوس أحزان تبدو غامضة (…) وحين يجيء القحط لا يترك بيتا دون أن يدخله، ولا يترك إنسانا إلا وقد يخلف في قلبه أو في جسده أثرا” هكذا وصف عبد الرحمان منيف القحط في رواية “النهايات”، والقحط مرتبط أكثر بالصحراء التي يوجد فيها السراب والصهد وكل حبة رمل منها تشكل متاهة، وما يحد من خطر الصحراء هو الواحة، التي تنتصب كمجال للحياة والخصب والأمان.. لذلك أقامت حنا أراندت تقابلا في تعريفها للسياسة بين الصحراء والواحة، وهي تحاول الإجابة على سؤال محوري هل لا زال للسياسة معنى اليوم؟
في كتاباتها وفي رسائلها للفيلسوفين مارتن هيدغر وكارل ياسبرس، كانت تلح على ضرورة مقاومة الشمولية/ التوليتارية والدكتاتوريات والأنظمة الاستبدادية وترى أن دور السياسة هو خلق الأمل لدى الناس وثقتهم بنجاعة العيش المشترك داخل الجماعة، إذ رأت حنا أرندت أن السياسة مبنية على التعدد البشري وهي فعل حر مهمته إقامة عالم شفاف لمجتمع بشري قائم على المساواة والتنوع والاختلاف والحرية كشرط للفعل والإنتاج.. لذلك ميزت بين la politique السياسة وبين السياسي le politique.

وقد استمدت استعارتها من الصحراء مقابل الواحة للتمييز بين الواحة حيث يؤمن الناس بالحرية والتقدم والتعالي عن الرغبات الحيوانية في الهيمنة والاستبداد وسيادة القيم النبيلة للفعل السياسي كما مثلته فلسفة الأنوار، أي الارتقاء الإنساني للجماعة البشرية من غريزة الموت والتدمير والتسلط التي تجسدها الصحراء القاحلة التي تبتلع الأخضر واليابس بالاستبداد والحروب والدمار وترسيخ النزعة الحيوانية..
استقت حنا أرندت مجاز الصحراء والواحة من خلال قراءتها لكتاب نيتشه “هكذا تكلم زرادشت” الذي تحدث عن تمدد الصحراء التي تدل على المنزلة الحيوانية والعدم وزحفها على الوجود والروح الإنسانية التي تتطلع البشرية إليها..
بالنسبة لي فإن تمجيد عبد الرحمان اليوسفي اليوم، في لحظة فقد، كما حدث مع محمد بوستة، عبد الرحيم بوعبيد، عمر بن جلون، علال الفاسي والمهدي بن بركة.. هو انتصار للواحة وللقيم النبيلة للسياسة، حيث الخصب، التضحية، التضامن، روح البدل والعطاء من أجل الجماعة، الإخلاص للروح الإنسانية بشكل صوفي… ضد الصحراء، التي زحفت على الأخضر واليابس، هذا القحط من أنصاف السياسيين وجراد الاقتصاديين الطارئين على السياسة، وعابري الزمن الانتخابي وأشباه زعماء الأحزاب ممن يُفقدون السياسة جدواها ونسغها الحيوي، كأداة للفعل الحر، للتغيير والتقدم، حيث الإيمان الوثيق بغد أفضل، فقد انتقدت حنا أرندت بقوة نيتشه واعتبرت خطأه المركزي أنه نسي أن أصل حياة الصحراء هم البشر، والميل لاكتساح الصحراء كل خصب هو انتصار للعدم، وانتصرت للواحة أي للأمل، وحق الكائن البشري في التطلع إلى الأحسن، واعتبرت الرومان الشعب المسيس الذي طور بعبقريته التشريعات واحترام القوانين، لأنه انتصر للواحة على الصحراء والجذب..
هكذا يجب أن ننظر اليوم إلى احتفاء جل مكونات الشعب المغربي، حتى من الجيل الجديد الذي سمع بعبد الرحمان اليوسفي فقط، ولم يكن في قلب أحداث الجسر الذي عبره الراحل، إنه حب صادق واعتراف جماعي ليس فقط بشخص الرجل، ولكن بالواحة في السياسة، برجالات أو نساء ظلوا يمثلون منارات عالية للسفن التائهة في البحر، والجميل أن حتى من انتقدوه بالأمس من الصف الديمقراطي أمثال محمد بن سعيد آيت يدر ومحمد الساسي وغيرهما كثيرون، أشادوا بقيمة عبد الرحمان اليوسفي وطهرانيته، لأنهم كانوا يدينون بصيغة أخرى هذه الصحراء الزاحفة على السياسة بالمغرب، التي شوهت كل القيم الوطنية النبيلة للفعل السياسي، وتاجرت بأمل المغاربة وحلمهم بالحرية والديمقراطية والعدالة، وبنت أمجادها الشخصية وثرواتها بإشاعة التفاهة والكذب والتدليس، وقول الشيء ونقيضه ببراعة لا توصف في التبرير وخنق المعارضين والخصوم، وإشاعة ثقافة “الهميزة” وتقديم نماذج سلبية للترقي الاجتماعي، واحتقار الذاكرة الجماعية للمواطنين، كما لو أنهم ذبابة سريعة النسيان، وزراعة اليأس وتربية الأتباع على الخنوع بدل النقد، والاستعباد بدل التحرر، والخيانة عوض الوفاء، وواحدية الرأي بدل التعدد والاختلاف.. إن إشادة المغاربة بعبد الرحمان اليوسفي هي خوف من أن يدفنوا مع جثته نوعا نبيلا من الممارسة السياسية، هي حنين جماعي للوفاء السياسي، لقيم الواحة، تلك الصوفية التي تميز بها الزعيم الذي قاوم عواصف القحط والزوابع الرملية التي تهدد واحة السياسة من استبداد ونظام حكم فردي استبدادي وشجع الكراسي ونهب المال العام.. وتمجيده اليوم هو انتصار لسياسة الواحة، لنبل ممارسة السياسة، فإذا توقفت الواحة عن الوجود، كما تعبر حنا أرندت، زحفت الصحراء، وتقلص حجم الوجود وتعرضت الحياة إلى تهديد حقيقي من خلال تكاثر وتناسل العدم.. نتمنى ألا يكون عبد الرحمان اليوسفي آخر الفرسان الشجعان والسياسيين الذين لم تفتنهم الزعامة ولا الخلود في الكراسي وامتلئوا بالتعفف والزهد والالتحام الأبدي بقضايا الوطن.
نصرة المغاربة لشخص الراحل عبد الرحمان اليوسفي، هي تعبير عن حاجتهم لتنفس هواء غير ملوث برائحة الانتهازيين، وبائعي الأوهام، وأشباه الزعماء وكل من قطر بهم السقف في زمن الهباء والتفاهة السياسية، هي شوق وحنين للنسيم العليل والجنان الخضراء والمياه العذبة في جنان السياسة بمفهومها البراغماتي النبيل، وبكلمة هو طموح لأن تستعيد السياسة في المغرب نبلها، وتنتصر للصدق والوفاء والإحساس بالمصالحة مع الجوهري والإنساني فينا، بدل هذا اليباب العم الذي أشاعه سياسيو آخر زمان ممن لم يبلهم الله لا “بحب الشعب ولا بلبس دربالته”.. وأعتقد أن طبع الملك محمد السادس تلك القبلة على جبين الراجل هي اعتراف محمل بالنبل الإنساني لحاجة البلد إلى زعماء من طينة اليوسفي.
فالواحة لا تدعو للدعة والكسل، بل تحفز على العمل وروح البدل والعطاء والحياة النشيطة، كل شيء فيها باعتدال: حرارة الشمس، الهواء العليل، حتى برودتها دافئة.. لأن السياسة كما مثلها اليوسفي ومن أخلصوا النية للممارسة النبيلة للسياسة، ممن قضوا نحبهم ومنهم من لا يزال ينتظر.. هي فعل منتج في المجتمع، دليل على العطاء والنبل والإيمان بأن الغد دوما أجمل من اليوم، وأن التغيير قادم، ليس فقط بالأماني، بل بركوب الأهوال لتحقيقه، في غير تطرف ولا هدم، لقد فجر المغاربة الذين كان ممكنا أن يحضروا جنازة الراحل بالآلاف، لولا ظروف الحجر الصحي لتشييع الفقيد إلى مثواه الأخير، فجروا ذلك في عشق نبيل، كما فعلوا غداة موت محمد بوستة وعبد الرحيم بوعبيد، والسابقين ممن كانوا قدوة في النضال وحملوا مشعل التغيير وحموا أحلام المغاربة وحقهم في التغيير..
فعالم الواحة هو جوهر الإنسان، كما تقول حنا أرندت، مركز الحق، بينما الصحراء عالم المظاهر الخادعة بسرابها وزوابعها، تقول: “فكر الواحة ثري ومركب وليس مجرد فكر بسيط اختزالي، الأمل ليس في البحث عن الخلاص بل في الوصول بالبشرية إلى درجة رفيعة من الصحة والاعتدال بجميع الملكات، وذلك بالاحتماء من لهيب الصحراء.. برطوبة الواحة وعذوبة أغصانها”.
لكن ما العمل اليوم؟ لم يغرب هذا السؤال اللينيني عن حنا أرندت التي أجابت: “علينا أن نؤسس عالما نكون فيه أحرارا على مستوى الفعل والفكر، وهذا العالم يحتاج إلى سياسة بديلة تنقل البشرية من مقام الصحراء الملتهبة إلى مقام الواحة المنتعشة” (عن كتاب حنا أرندت “ما هي السياسة؟” الذي ترجمته سيلفي كورتين دينامي عن منشورات سوي).
إن إشادة المغاربة بعبد الرحمان اليوسفي، هي حنين للطهرانية السياسية، لرموز من الزعماء والقادة ورجالات الدولة الذين وفوا ما بذمتهم للوطن، وانتصروا لقيم النبل والمواقف الشجاعة ولم يتخلوا عن مبادئهم ولا باعوها بثمن بخس ولا غيروا مواقفهم كما يغيرون جواربهم، ابتغاء مرضاة الكراسي المريحة والخلود في مناصب الزعامة، “صحيح أن الحياة آنذاك كانت في منتهى القسوة والصعوبة، لكن الرجال في تلك الأيام كانوا رجالا، كانوا أقوياء وقادرين على الاحتمال والصبر، وكانوا قادرين على أن يأكلوا الصخر، أما رجال هذه الأيام…” ويصمت عبد الرحمان منيف في نهاياته التي بدأنا بها هذا المقال، كما لو أدركه الصباح فسكت عن الكلام غير المباح!