الصحيفة ولوجورنال، ملك جماعي للمغاربة، وفي الحديث عنهما علينا أن نتخلص من مكر الذاكرة

0

 

لنتصور فقط لو لم يكن الأمير، أي مسار كان ممكنا لصحيفتين مهنيتين

عبد العزيز كوكاس

في كل مرة يثار فيها النقاش حول جريدتي الصحيفة ولوجورنال، التي كنت في قلب تفاعلاتها لأكثر من ست سنوات كصحافي ثم كرئيس فمدير للتحرير، كنت أحاول أن ألجم نفسي عن الخوض في غماره، على اعتبار أن ما ظل يثار لا تحركه رغبة حقيقية في عرض التجربة وسرد تفاصيلها كملك مشترك للذاكرة الجماعية، وأن معظم الذين تحدثوا عن تجربتي الصحيفة ولوجورنال، كانت تطغى على سردهم أنا نرجسية أو بطولية، أو تصفية حسابات أو تحركهم هواجس تكمن إسقاطاتها في الحاضر.. وبرغم إثارة إسمي في العديد من المرّات كنت أخشى على نفسي من أن أنحو في ذات الاتجاه: منحى تبرئة الذات أمام تجريم الآخرين، أو تسويد الأبيض وتبييض الأسود، لكن النفس الأمّارة بالنشر كان لها الفيصل في الخوض فيما يخوض فيه الخائضون، مع بعض الاحتراز لتصويب ما يجب تصويبه، والحذر من سلطة الذاكرة التي يقول بورخيص إنها لا تصلح إلا للنسيان. ذلك أنني أعي أننا لم نتخذ المسافة الكافية لنتحدث عن تجربتي “الصحيفة” و”لوجورنال” بالحياد الضروري والاستقلال الموضوعي..

عشت في قلب “ميديا تروست” التي كانت تصدر “الصحيفة ولوجورنال”، والكثير مما أسمع اليوم حتى ممن كانوا في قلب معمعة صناعة هذين الهرمين الكبيرين في تاريخ الصحافة الوطنية، أتساءل أحيانا هل وقع بالشكل الذي تم سرده حقيقة، أم هو يعرض بالموقع واللحظة التي يوجد فيها سارد هذه الوقائع، لنتفق أولا أن الصحف لا تصدر وتنشر تعبيرا عن الآراء والرغبات الذاتية لمحرريها، وإنما هي تصدر وتنتشر عندما تعبر عن آراء ومصالح أوسع وأكبر لقوى وتيارات اجتماعية، وكما يؤكد حسنين هيكل فنجاح أي تجربة صحافية هو رهين بتعدد القوى في المجتمع الذي يخلق إمكانية تنوع الآراء تعبيرا عن هذه القوى التي تصبح قادرة على حماية حقها في التعبير عن نفسها..

56CFE02B-2B0B-4BB2-A3FB-DE2AAB477B04

وبهذا المعنى، فالراحل فاضل العراقي وبو بكر الجامعي وجمال براوي وعلي المرابط ونور الدين مفتاح ومحمد حفيظ وهذا العبد الضعيف وباقي زملاء التحرير كي لا ننسى، كنا مجرد تعبير عن هذه الآراء المتنوعة في المجتمع، وجدنا بالصدفة أو بحكم اللحظة التاريخية في قلب الحدث، نساهم في صنع هذا التنوع والسماح لمختلف القوى الحية في التعبير عن نفسها، ليس هناك ملائكة وشياطين بيننا، كل واحد منا له نصيب من النجاح، وساهم من جهته بشكل أو بآخر في مآلات الفشل، دون تبرييء السلطة وأدواتها الجهنمية وحربها المريرة.

كنا على حلم.. حتى جاء الأمير

لم تكن “الصحيفة” و”لوجورنال” كتجربتين متميزتين إلى جانب الصحف التي جاءت بعدها والتي تماثل خطها التحريري خاصة “تيل كيل ونيشان”، وما تناسل فيما بعد، منعزلتين عن التباسات المرحلة التاريخية لنهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي، فغموض الفاعلين وانتقال المعارضة السياسية إلى دفة تسيير الشأن العام وطول مرحلة الانتقال الديمقراطي والتباس تحديد وظيفة الصحافي بدقة وعدم وضوح السلطة والمجتمع ذاته حول هوية الصحافة التي يريدها… لذلك وقع الكثير من الانفلات والصدامات داخل المؤسسة وتلك التي جاءت من خارجها أيضا.

كنا نعيش مثل مجتمع مصغر، بكل تناقضاته، نحن في “الصحيفة” أغلبنا قادم من الطبقات الاجتماعية الدنيا، نفتخر بتكويننا السياسي وبجودة ما نخط وبقوة مصادر أخبارنا، كان نور الدين مفتاح يدير اختلافنا بحنكة، وشباب لوجورنال متحررون أكثر في لباسهم وسلوكهم، لهم دراية بالتقنيات الحديثة أكثر منا، وتبدو أصولهم الاجتماعية مغايرة لنا، لكن مع ذلك، يعود الفضل لبوبكر  الجامعي في إدارة هذين الجريدتين بما يسمح بالتعايش، على ما بيننا من اختلاف في الأجور ووسائل العمل، كنت أتفهم أن جزءا منه راجع لوضع الصحافة الفرنكوفونية المخملي مقابل الصحافة العروبية المستحدثة، قبل أن يحدث الانقلاب، بعد أن كانت الصحافة الفرنكوفونية هي التي تخلق لسانها العربي: لوجورنال خلقت الصحيفة ولاغازيت دوماروك خلقت الحدث وتيل كيل احتضنت فيما بعد أسبوعية نيشان، ومع كل أزمة كان يتم التضحية باللسان العربي، قبل أن تنقلب الآية مع يومية المساء التي خلقت لوسوار قبل أن تعدمها.

61685_1
كوكاس،عبد اللطيف حسني والأمير هشام في حفل تأبين لطيفة بوسعدن

كانت هناك مسافات تسمح بحرية الاشتغال بالحق في الاختلاف وروح الاستقلالية، حتى أن جاء النذير ذات يوم، في نهاية صيف عام 2000، كان الأمير هشام برفقة المبعوث الأممي كوشنير في كوسوفو، ذهب صحافيون مغاربة إلى هناك، كان من بينهم بو بكر الجامعي مدير جريدتي لوجورنال والصحيفة، وتوفيق بوعشرين، أطلق الله سراحه، عن أسبوعية الحدث.. كان هذا أول لقاء للأمير هشام بالصحافة المستقلة، نشرت جريدة لوجورنال في عددها الصادر في 9 شتنبر 2000، ملفا تحت عنوان “أمير في البلقان”، والمفاجأة كانت هي أن بوبكر سيتدخل لأول مرة في الغلاف الذي تصدره “الصحيفة”، حيث ألح على نور الدين مفتاح كرئيس تحرير يومها لنشر نفس الغلاف الذي أعده للوجورنال، فخرجت الصحيفة في عددها 96 الصادر في 8 شتنبر 2000 بغلاف تحت عنوان “ماذا يفعل أمير مغربي في كوسوفو؟”

لقد تم تقديم صورة أنيقة للأمير “الذي يبدع أكثر من اللازم” كما جاء في تقديم بو بكر الجامعي للحوار مع الأمير هشام الذي كانت له حساباته الخاصة، سيعبر عنها بشكل تلميحي في ذات الحوار قائلا عن تجربته في “كوسوفو”: “إنها تجربة إنسانية غنية دفعتني إلى إعادة تحديد أولوياتي”، وكان ذلك بالفعل منطلقا للعب في حقل بالغ التعقيد، سيجر على الصحافة المستقلة العديد من الويلات وتحريف مسارها.

العيب لم يكن في حوار نتنياهو، بل في الهالة المصاحبة

عام 1998، أجرت أسبوعية “لوجورنال” حوارا مع بنيامين نتنياهو فقامت القيامة، ذهب علي لمرابط وعلي عمار إلى إسرائيل وأجريا حوارا مع رئيس حكومة الدولة الصهيونية، بالنسبة لي العيب لم يكن في إجراء حوار مع نتنياهو، إذ هذه مهمة الصحافي، الذي يمكن أن يحمل أسئلة حارقة حول اغتصاب حق الشعب الفلسطيني والأعمال الإجرامية التي تقوم بها إسرائيل ضد شعب أعزل، لكن المشكل كان في الشكل الاحتفالي الذي تم به تقديم الحوار، لافتات في شوارع المملكة ولدى باعة الجرائد، مما يوحي بمحاولة إعطاء هالة استثنائية لعدد لوجورنال وهو شيء جائز بل ذكي من وجهة الماركوتينغ، التي كان يتقنها القسم التجاري للوجورنال، لكنه غير مقبول أخلاقيا في مجتمع اعتبر فلسطين قضية وطنية، والصحافي يجب أن يراعي السياق المجتمعي الذي يمارس فيه مهنته، وأعتبر أنه قد تم استغلال قضية حوار نتنياهو للإساءة بشكل كبير لبوبكر الجامعي خاصة، وخالد الجامعي الأب كان قد زار إسرائيل.

كنت أنا من استقدم البوز لا بوبكر الجامعي

أود أن أصحح معطيين أعتبرهما من سهو الذاكرة فقط، إذ ذكر الزميل بوبكر الجامعي أنه بعد أن غادر الطاقم المؤسس لجريدة “الصحيفة”: “بقي كوكاس لوحده، فأتيت بأحمد البوز ومحمد حفيظ”، والحقيقة غير ذلك، كما يحفظها أرشيف الجريدة ذاته، فقد استقال نور الدين مفتاح ومعه كل الصحافيين، باستثنائي وبقيت أنا والسكرتيرة والطاقم التقني كله عدا طارق جبريل الذي انضم ل “الأيام”، في عز الصيف، نهاية شهر يوليوز، فكتب علي المرابط خبرا يقول فيه: “باي باي الصحيفة”، كان الأمر يتعلق بانكسار حقيقي، جاء عندي بوبكر الجامعي محبطا وطلب مني عدم إصدار عدد الصيف ليكون أمامنا متسع للبحث عن هيئة تحرير جديدة، لكني رفضت وركبت التحدي لأن عدم إصدار عدد الصيف سيفقد “الصحيفة” قراءها وسيرسخ فكرة موتها، هنا اتصلت بمن سيصبح معظمهم طاقم تحرير الصحيفة طيلة المرحلة التي عملت فيها كرئيس تحرير من 2001 إلى نهاية يوليوز 2003، أما الأخ محمد حفيظ فلم يلتحق بالصحيفة إلا في بداية ماي 2003، أي ثلاثة أشهر على مغادرتي وطاقم التحرير والتقنيين قارب الصحيفة. وأذكر الزميل بوبكر الجامعي بما كتبه هو نفسه في افتتاحية العدد 57 من أسبوعية الصحيفة الصادر في 15 مارس 2002 تحت عنوان: “آلامنا وآمالنا المشتركة”، والتي اتسمت بالكثير من الصدق الإنساني الذي خبرته في الرجل في المحن الكبرى أكثر مما أصبحت عليه تصريحاته اليوم، حين قال: “نعم لقد خشينا على استمرارية الصحيفة، إن ألمنا كان بالفعل مهنيا، لكنه كان أيضا إنسانيا، فثمة محن مشتركة كانت قد جمعتنا في الألم، مثلما أن نجاحات جماعية قد جمعتنا في الفرح.. نعم إن الصحيفة هي ثمرة لمعجزة، ذلك لأن تشكيل هيئة تحرير في ظرف أسبوع والاحتفاظ بمواقع الصدارة ضمن قائمة الصحف الأسبوعية، عقب ذلك بشهور عديدة، يعتبر من قبيل الأعاجيب، إن هذه المغامرة كانت صعبة لو لم يرفع عبد العزيز كوكاس التحدي، لقد جمع حوله المجموعة التي أنجزت المعجزة، إن حبه الذي لم يتعرض للطعن أبدا، ولعمله واختياره السديد لشابات وشبان قبلوا مرافقته في هذه المغامرة كانت أمورا حاسمة”..

هل هذا يعني أني كنت ملكا منزها عن الأخطاء؟ أبدا.. ألم يساهم قرار مغادرتي الصحيفة في إضعافها؟ هل كان لخروجي ـ وتحت ظل كل الاختلافات التي نشبت ـ خاليا من غرور الذات وبحثها عن مسارها الخاص بدل معاضدة تجربة رائدة؟ ألم يكن ممكنا التعايش مع جل الإكراهات التي انبثقت بشكل غريب وفجائي داخل الصحيفة؟ التاريخ كفيل بالإجابة على ذلك.

Med%20H1

الملك ملك والأمير مولاي

منذ نهاية 2002، بدأت ألاحظ متغيرات عديدة داخل هيئتي تحرير الصحيفة ولوجورنال انطلق حوار مع الأمير هشام للمساهمة في الشركة المصدرة للجريدتين، وحدث اختلاف بعد لقاءات خارج المغرب وداخله، وكان الزميل بوبكر الجامعي يبوح لي ببعض مخاوفه، وأكبر فيه إلحاحه على أن يتم دخول الأمير بشكل علني ومن خلال ندوة صحفية، لكن الأمير هشام رفض هذه الصيغة الواضحة، لكن الممارسات اليومية والمقالات التي أخذت تبرز داخل “لوجورنال” خاصة بدأت تشعرني بأن قاربنا دخل متاهة أكبر من المهنة ورهاناتها أقوى من تعبير أمير عن رأيه بشكل حر، لقد أصبح الأمر كما لو أن هناك سلطة مضادة مقابل سلطة قائمة، وزاد ذلك استفحالا مع وضع الأمير هشام ملعقته في كل الطواجين الفوّارة، وأذكر مرة أننا كنا قد اعتدنا الحديث عن الملك بصفته المؤسسية “الملك محمد السادس” دون جلالته، وهذا دافعت عنه في برنامج حواري بالقناة الثانية “نعم لا” للعمراني، لم يكن في ذلك أي تنقيص بل احترام كامل لشخص الملك لكن دون قداسة سيسقطها محمد السادس عن نفسه في خطاب 9 مارس 2011.. كان هناك مقال عن الأمير هشام في رأس الصفحة الأولى للعدد 119 الصادر في 28 يونيو 2003، بعنوان “بعد نقابة الصحافة والمجلس الاستشاري نجح الأمير هشام: الصحيفة تحكي تفاصيل إنقاذ حياة المرابط وسمعة المغرب”، احتج ـ وقد يكون هذا لفظ جد مهذب ـ أحد الزملاء على عدم ذكر اسم مولاي مقرونا بالأمير، فقلت لأننا أسقطنا جلالة عن اسم الملك، دون تقليل الاحترام عليه، فكذلك الشأن بالنسبة للأمير.. بعد إغلاق العدد وذهابي إلى المنزل فجرا، سأفاجأ في اليوم الموالي بأن العدد طبع وعليه عبارة “الأمير مولاي هشام”، ففهمت من يومها أن الملك ملك والأمير مولاي، في الصحيفة وأن قواعد الألفة المشتركة والاختلاف السعيد الذي كنا قد تواطأنا عليها ذهبت أدراج الرياح، وأنزه هنا الأخ محمد حفيظ عن الوشايات الصغيرة والكيد الصبياني.. حيث ظلت علاقتنا وطيدة حتى اليوم.

وحين أتأمل اليوم مسارات صحافيين أكفاء، بجودة مهنية عالية من لطيفة بوسعدن حتى أحمد رضى بنشمسي، والمسارات الموجعة التي انتهوا إليها، خارج حسابات مهنة الصحافة، أجد رائحة للأمير هشام في الأمر…

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.