ملحمة مغربية في زمن كورونا: ها هنا توجد دولة.. ها هنا توجد أمة  

0

عبد العزيز كوكاس

يصعب في اللحظات الحرجة من مسار أمة تسعى للانعتاق ورسم مسارها بشكل صريح، أن يستدل المرء بقائد عسكري استعماري مثل الجنرال ليوطي، لكن بعض الحقائق تتجاوز جموع مؤيديها ومعارضيها لتبقى خالدة، القولة أعلاه هي للجنرال ليوطي، لكنها تعكس عمقا وحقيقة.. حين دخل إلى المغرب صدم بأن تصوره عن البلد غير ما وجده عليه، فقال فيما يشبه الاعتراف الذي يصالح الإنسان مع عمق ذاته: “ها هنا وجدنا شعبا، ها هنا وجدنا دولة”..

virus_corona6_863534660

لقد خلق فيروس كورونا المستجد ما يشبه ملحمة مغربية لها فرادتها، روح تضامن جماعي بمنسوب جد مرتفع، سلطة بجميع أطيافها تظهر بغير وجهها القمعي، وملك يتخذ مبادرات إنسانية ذات طابع وطني، من إجراءات استباقية للحماية من الفيروس القاتل حتى إنشاء صندوق للتضامن بلغت أريحية المغاربة فيه شأوا غير متوقع، أبهر صناع القرار والفاعلين بمختلف توجهاتهم، وكرم للدولة اتجاه مواطنيها.. الحمد لله أننا نشهد بهذا في زمن الجائحة لا في زمن الكريمات والأوسمة، وبشكل غير مسبوق عادت المصداقية والثقة لمؤسسات الدولة وخطابها باعتبارها ممثلة لمصالح المواطنين، وخارج بعض الاستثناءات، فإنه يجب الإشادة بتحول نوعي في وعي المغاربة وفي سلوكهم والقيم الجماعية التي طفت على السطح بدل النرجسيات القاتلة، في قلب الجائحة وهذا الحزن المعولم، ثمة بارقة أمل في شعبنا وفي مؤسسات الدولة وفي هذا التلاحم الجميل الذي يدع الاحتراب جانبا ويتكاثف من أجل سلامة البلد ووالد وما ولد..

والموت يطاردنا عن قرب، نحس أن على هذه الأرض ما يستحق العيش.. الوطن كشراكة للأحلام، بورك كل من صنع هذه اللحظة الاستثنائية في ظل تراجيديا بشرية معممة، لن يضيرني أن أموت الآن.. فما كنت أحلم به لهذا المغرب كوطن يتسع للجميع، هو ما أراه اليوم، هذه الملحمة الجماعية التي تخلقها الدولة بكافة أجهزتها والمبادرات الملكية والأطباء والممرضون الجنود الحقيقيون الذين يخجلون من ضوء الكاميرات، وأياديهم البيضاء خير ناطق على مجهوداتهم الجبارة، لنا أن نرفع القبعة عاليا لكل نساء ورجال الصحة والتعليم والأمن بكل أصنافهم مدنيين وعسكريين، لعمال النظافة والوقاية المدنية والجمارك، لفاعلي المجتمع المدني، للصحافيين والفنانين الأصيلين.. للمواطنين البسطاء الذين يستفون التراب في لحظة شح مصادر الرزق ولا يأكلون نعمة ولا يسبون ملة… طوبى لنا إذا ما نجحنا في تدبير كل هذا فإن مغربا آخر سيولد، فقد صدق ابن خلدون حين اعتبر الأوبئة مسرعة لميلاد حضارة وفناء أخرى..

في هذه المعركة الوجودية ضد الفيروس التاجي كورونا، لا يمكن إلا أن نشد بحرارة على جنود الصف الأمامي من ملائكة الرحمة، أطباء وممرضون، رجال ونساء الوقاية المدنية، والصيادلة والأمن بكل فئاته من قوات مساعدة وأمن وطني ودرك ملكي وجيش، ورواد الأمن الغذائي من البقالين، والصحافيات والصحافيين الحقيقيين، وعمال النظافة الذي يستحقون نصبا تذكاريا في ساحة عمومية، لا يجب أن ننسى نساء ورجال التعليم، الذين تم التشنيع بهم والأطباء في حملات تبخيس النخبة المغربية عبر النكتة والإعلام الذي لم ينتج إلا السخافة والتشكيك في نخبة الأمة، إذا لم يفعل المعلمون والأساتذة شيئا كما يعتقد البعض، فعلى الأقل هم الذين درسوا الأطباء والممرضين رجالا ونساء، والعلماء الباحثين الذي يتوقف على أبحاثهم الطبية نبض العالم.. أهذا قليل؟

قديما كنت أستمتع دوما بأغنية شعبية من فن العيطة، مما جاء فيها: “كون ما القراية، كون ما ترفعات راية” وفي أخرى كون ما رجعت راية؟

فها ما ربحنا: ملكية مواطنة، مؤسسات دولة في خدمة المجتمع المغربي، لا مجتمع رهينة للدولة، نخب حيوية وفعالة، تلاحم جماعي وتضامن وروح مواطنة عالية، ملائكة الرحمة في ملحمة أسطورية لمواجهة فيروس حقير قاتل، وعي مواطناتي وتكافلي غير مسبوق، مجتمع يتحرك بكافة أذرعه وهو يعلم أن الآتي أسوأ، فلسنا سوى في العتبة الأولى للوباء.. لكن لن نخاف فها هنا توجد أمة.. ها هنا توجد دولة، وكورونا عابر في الزمان ولن يصبح سوى حكاية ترويها الجدات للصبايا لحظة الخلود للنوم..

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.