ألان جوردان* ترجمة عبد العزيز كوكاس**
بما أن باب التدين قد استخدم من قبل الإرهابيين، فقد أصبح الأمر بالنسبة إلى المغرب قضية دولة.. عمل الملك محمد السادس على ترسيخ الحداثة في المغرب في قطيعة تامة مع ممارسات الحسن الثاني، فتح المجال لحرية التعبير وشجع النقاش الديمقراطي، إن المناضلين اليساريون القدامى الذين قضوا زهرات عمرهم في سجون والده ممتنون له بشكل خاص.. أصبحت اليوم مسألة الدفاع عن حقوق الإنسان مركزية.. وهذا ليس موقف بسيط للواجهة. فالمغرب هو البلد الوحيد في المنطقة الذي يناقش بجدية إلغاء عقوبة الإعدام، ويشجع محمد السادس المجتمع المغربي على التطور دون خوف من المستقبل. ووجد المجتمع المدني فيه دعما قويا لتمرير إصلاح قانون الأسرة الذي يرفع السن القانوني للزواج إلى ثمانية عشر سنة للفتيات ويلغي تعدد الزوجات ويقنن الطلاق القضائي، ويقر تقسيم الممتلكات.. وفي السنوات الأخيرة، دفع الملك المرأة المغربية لاحتلال المزيد من المناصب الهامة.
في توازن القوى هذا، تلعب السلطة دور “الجزرة والعصا”.. تتخذ الملكية إجراءات معاكسة لبعض التدابير المحافظة أو المتشددة التي حاولت تمريرها الحكومة الإسلامية برئيس وزرائها السابق عبد الإله بنكيران، هذا المثال يقول الكثير: في 10 يناير 2017، منع وزير الداخلية، واحد من الذين لا يزالون تحت وصاية الملك، استيراد البرقع وتصنيعه وبيعه على طول التراب الوطني، إنها طريقة للتذكير بشكل واضح بأن هذا الزي ليس جزءا من المشهد الديني والثقافي في الفضاء المغاربي وخاصة المغربي. وهي رسالة موجهة أيضا إلى السلفيين.
خلال السنوات الأخيرة، وكإشارة على الرضا، عفا العاهل الملكي على العديد من القادة الراديكاليين المحكوم عليهم بعقوبات ثقيلة بعد الهجمات الإرهابية عام 2003، بل إنه اهتم بأن يترك لهم حيزا سياسيا. بالمقابل لا يسمح للأصولية الدينية بتعطيل مسيرة المجتمع المغربي. في ميزان القوى هذا، يعتبر النقاش حول مكانة المرأة أمرا مركزيا. بالنسبة لعبد الإله بنكيران، يجب على المرأة البقاء في المنزل و”إنارة” البيت.. وعكس ذلك، قام محمد السادس منذ اعتلائه العرش بالعمل من أجل المساواة بين الجنسين، لقد كان ثابتا في هذا الالتزام. تلج المرأة اليوم مناصب المسؤولية في الإدارة العليا، والمالية أو المقاولات.
أفضل دفاع ضد تنامي الظلامية الدينية هو النمو.. لقد فهم المغرب هذا منذ مدة طويلة. فجهود المملكة لتحسين ترتيبها ضمن الاقتصاديات الناشئة تشهد على ذلك، ولأنه يعلم أن استقرار البلاد يقوم على الزيادة في الثروات التي جعلت المملكة آمنة قبل هجمات 11 شتنبر 2001، ففي سبورة التلاميذ النجباء، تأتي المملكة المغربية قبل جنوب إفريقيا والجزائر.. تحليل متفائل للمخاطر تتقاسمه وكالات تصنيف عديدة، فقد أدت الاستثمارات الھيكلیة الرئیسیة إلی تنویع مصادر الإیرادات..ومع ذلك، فإن جيوب الفقر تعتبر مشكلة حقيقية يسعى الملك إلى تقديم إجابات عنها من خلال برامج التنمية الطموحة. لا يتعلق الأمر برسم صورة مثالية، فالنقاش حول توزيع الثروة حيوي وقد وضعه المجتمع المدني على رأس أولويات اهتمامه. والسلطات القائمة لا تنازع شرعيته في المطالبة بالمساءلة، وهو أمر نادر نوعا ما في المنطقة.
غنى تاريخي وتعدد في ظل الوحدة
في مواجهة صعود تهديد إرهابي معولم، وضع المغرب ونفذ إستراتيجية أمنية متعددة الأبعاد تقوم على توقع ومكافحة العوامل التي تغذي الإيديولوجية المتطرفة: الهشاشة والإقصاء الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، أعادت المملكة تنظيم المجال الديني بحيث يتناسب تدريسه تماما مع تقاليد التسامح في الإسلام الأصيل.
إن المغرب أمة ودولة قديمة على مفترق طرق ثقافات وحضارات وأديان كثيرة. وهو في نفس الوقت مكان للوصول، والعبور والمغادرة. وهو أيضا بلد مفتوح ومضياف، وقد تمكن دائما من الاندماج دون استيعابه على الإطلاق أو تعرضه للغزو، فهذه الهوية القوية التي بنيت خلال قرون تفسر تفرد هذه المملكة المتمسكة بقيمها التقليدية ولكنها تسير بحزم نحو الحداثة.
يُحدد المغرب دستوريا كدولة مسلمة وغير إسلامية. فارق دقيق يميزها عن دعاة الإسلام السياسي، الذين يدعون إلى إنشاء الدولة الإسلامية: “الإسلام هو دين الدولة، والدولة تضمن لكل واحد حرية ممارسة شؤونه الدينية”، غير الدستور المغربي لا يحدد مفهوم “شؤونه الدينية”، وهذا يترك حرية كبيرة في التأويل. ويضمن الملك، كأمير المؤمنين، احترام الديانات وحماية حقوق المواطنين وحرياتهم، وهو بالتالي الضامن لتنوع الآراء والمعتقدات. هذا الوضع يمنح المغرب اليوم استقرارا وتناوبا سياسيا سلسا في مجتمع يمر بمرحلة انتقالية وفي بيئة إقليمية لا يمكن التنبؤ بمفاجآتها.
يمنح الدستور المغربي نظام القيم الإسلامية مكانة متميزة جدا، وهذا الإطار المعياري ليس مغلقا. كما أنه يعطي مساحة للتطلعات المشروعة لكل مواطن لتوسيع نطاق معرفته. وهذا هو السبب في أن المغرب، على عكس الحركات الإسلامية المنغلقة في حدود المطالب المتخلفة التي تضعها على أرض الاحتجاج والشعبوية وتصل أحيانا إلى العنف، فهو بلد منفتح على طرق جديدة لحياة المجتمع، وأشكال جديدة للحكامة.. إن المجتمع المغربي متشبع بقوة بالمذهب المالكي الأشعري، التي تسمى أيضا “الوسطية” في العقيدة الدينية الإسلامية، مع لمسة صوفية سنية، كل هذا مؤطر من قبل مؤسسة متجذرة منذ قرون، إمارة المؤمنين التي يمثلها الملك.. أظهر المغاربة، لأزيد من عشرة قرون، تعلقهم بدين بُني حول ثلاثة ثوابت: العقيدة الأشعرية التي لا تكفر شخصا بالردة، ولا تقبل الحكم بعقوبة الإعدام على الجرائم التي تتعلق بحقوق الله.. المذهب المالكي، الذي يتصف بغزارة أساليب استخلاص الأحكام من المصادر الأصلية، والمرونة في دمج الممارسات والتقاليد الثقافية المحلية في الشريعة وثالثا، ويتغيى خدمة المصلحة العامة، التي مع مرور الوقت، أصبحت بمثابة إضفاء الشرعية على القوانين التي تفضل المصلحة دون أي تناقض مع الشريعة الإسلامية، ثم طقوس الحفاظ على البعد الروحي للإسلام وحمايته، من خلال التصوف الذي يثري ويثقف اختبار الوعي من أجل تحقيق الكمال الأخلاقي المطلوب في كل شيء، في العلاقات وفي أي تعايش بين الناس. فالتصوف أيضا وعي حاد يخلق التوازن للحد من تجاوزات الشعور بالانتماء العرقي أو القبلي، هذا بالإضافة إلى دعوته إلى إنشاء المؤسسات الخيرية، الحمائية، التعليمية والتنموية.

“في التقاليد المغربية، لا تقصي إدارة المجال الديني الإسلام اليومي، أو ما يسمى بالإسلام الشعبي. مما يفسر لماذا، في المغرب، لم تحدث النخبوية في المجال الديني. لقد عاش المغرب فترة طويلة من التاريخ حيث كان علماء الدين أيضا تجارا، أو خدام الدولة (مخزن) أو حتى شيوخ زوايا محاطين بالمجتمعات المحلية.. من المؤكد أن هذه الطوبوغرافيا الاجتماعية للعلماء المغاربة لعبت دورا رئيسيا في الحفاظ على التسامح لعدة قرون بين الثقافة العالمة والثقافة الشعبية وتقاليدها”، كما يسطر الباحث المصطفى الرزرازي.
“علمانية” على الطريقة المغربيةمصطلح “اللائكية” جد ملتبس وغير مقبول، يُفضّل الحديث عن “التمييز” لتجنب مفهوم الفصل، ليس بين الكنيسة والدولة، ولكن بين المسجد والدولة. فللحفاظ على إسلامه المنفتح والمتسامح، وضع المغرب إطارا يلزم الأئمة بالخضوع للتكوين الديني والمعرفي قبل نشر معارفهم الدينية. لا يوجد أئمة يفتون. لا يمكن أن يعلن فرد واحد الفتاوى، ولا يسمح بذلك إلا للمجلس العلمي.فالمجتمع المغربي ليس مجتمعا ثابتا، لا يخترقه فقط تيار ديني محافظ.. فهو أيضا رد الفعل القوي عندما يتم الضغط الشديد على الحريات، في أكتوبر 2016، سناء وهاجر، مراهقتان بالغتان من العمر على التوالي ستة عشر وسبعة عشر عاما، تم توقيفهما في مراكش بعد أن ضبطتا وهما تتبادلان القُبل، كانتا مهددتين بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات بموجب المادة 489 من القانون الجنائي التي تجرم العلاقات الجنسية الشاذة، إذا ظل القانون قديما بنظر جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان، فإن القضاة يميلون أكثر فأكثر لاتخاذ القرارات التي تشهد على طفرة بطيئة.. فقد تمت تبرئة المراهقتين في 19 دجنبر 2016، فالأبعاد التي اتخذتها هذه القضية لم تكن بحجم تلك التي احتلت العناوين الرئيسية للصحف عام 2013.. شابان مراهقان، أحدهما يبلغ من العمر أربعة عشر، والثاني خمسة عشر، فتاة وفتى وجدا نفسيهما في السجن بعد أن نشرت على الفايسبوك صورة لهما وهما يتبادلان القبل. وقد أدى اعتقالهما إلى تعبئة غير مسبوقة ليس فقط في أنحاء المغرب ولكن أيضا خارج الحدود.. وانتهت القضية بتوبيخ المراهقين.لا تزال مواقف الحداثيين والمحافظين حول القضايا المجتمعية متباعدة وصعب التوفيق بينها. فالتيار المحافظ قوي، ويمكن أن تكون ردود فعله مستفزة. لقد دفعت الممثلة لبنى أبيدار الثمن. ووجدت نفسها مرغمة على نفي نفسها بفرنسا بعد دورها كعاهرة في فلم “الزين اللي فيك”. أثناء إقامتها في الدار البيضاء تعرضت في نونبر 2015 للهجوم أثناء تجولها في الشارع من قبل ثلاثة رجال تعرّفوا عليها. وتعرضت للضرب. وقبل هذا الاعتداء، تلقت الشابة تهديدات عديدة بالقتل من طرف متطرفين دينيين.موضوع الفلم جد حساس بحيث لا أحد تجرأ للدفاع عنها، وقد حاولت أن تشرح بأن الأمر لم يكن يتعلق سوى بدور سينمائي، لكن بدون جدوى. في31 دجنبر 2016، كانت هناك مغربيتان من بين ضحايا الهجوم على مرقص بأسطنبول، سيتجلى نفس الحقد على الشبكات الاجتماعية.. بالنسبة لبعض المدونين، فقد حصلت المرأتان على ما تستحقانه بسبب تعاطيهما الكحول وانغماسهما في الفسق. ولكن هذه المرة، سترتفع الأصوات لإدانة هذه التصريحات.على الرغم من أنه يأسف لعدم رؤية بلاده تنخرط بشكل أسرع وأكبر في مسارات الحداثة، فإن الكاتب المغربي والمفكر الطاهر بن جلون يشيد بجهود المملكة، خاصة عندما يتعلق الأمر بوضع المرأة. إذا فشل السلفيون المغاربة في محاولة فرض رؤيتهم للإسلام على المجتمع المغربي كله، فذلك لأنهم جاؤوا ضد هوية متينة دعمها محمد السادس بذكاء من أجل تجنب سيناريو مصري أو تونسي. ويذهب الطاهر بن جلون أبعد من ذلك، حين يعزو نجاحات الأجهزة الأمنية المغربية في مكافحة الإرهاب إلى حب الوطن. وأضاف “لا يمر أسبوع دون الحديث عن تفكيك خلية من الإرهابيين.. وهذا يأتي من يقظة شعب بأكمله. يمكن أن نرى وجود اختلافات سياسية، يمكننا انتقاد الحكومة، والاحتجاج على هذا القرار أو ذاك، المغاربة عامة يبرزون كيف أنهم موحدون، كي لا يصبح هذا البلد أبدا مسرحاللفوضى التي يسعى الكثير من الخصوم و الأعداء إلى خلقها”، وأوضح في عمود نشر بعد يوم من الهجوم على باتاكلان: “منذ وصول محمد السادس إلى العرش، شرع المغرب ببطء، ربما ببطء شديد، الدخول إلى الحداثة. لم يحقق الفوز، ولكن هناك عناصر مهمة في طور التحقق. ولا بد من الإقرار وضمان عدم العودة إلى الوراء. الديمقراطية ثقافة، إنها تحتاج إلى وقت وإلى تمرين بيداغوجي. إن الإدلاء بصوت في صندوق الاقتراع لا يكفي لوحده للدخول إلى نادي الديمقراطية. يجب أن تكون الممارسات والسلوكات نابعة من تقاليد وثقافة سيادة القانون. فالديمقراطية في الواقع تبدأ من المنزل. إنها تعلم الاحترام الذي يضع المبادئ قبل التحامل، وكيفية التعامل مع الزوج والأطفال، وكيفية التعايش مع الجار.. هي الخطوات الأولى للديمقراطية. المغرب أبعد ما يكون عن التفكير في فصل الدين عن الدولة. بل إن ذلك موضوع طابو، أو نتحدث عنه بحذر شديد، ونزن الكلمات. كانت الانطلاقة العلمانية الصغيرة الوحيدة هي منع الدستور تأسيس أحزاب سياسية دينية “.مكافحة الظلامية الدينية والتعصب يدفع الملك إلى اتخاذ تدابير رمزية في بعض الأحيان، ولكن أيضا جريئة.. ففي 5 يناير 2017، أعاد محمد السادس تسمية الحي القديم لمراكش بالاسم اليهودي الأصلي.. حيث عاد حي السلام ليحمل اسم الملاح مرة أخرى. قبل رحيلهم بكثافة إلى إسرائيل أو إلى بلدان أخرى في الخمسينيات والستينيات، كان هناك ما بين 250000 و300000 يهودي يعيشون في المغرب. وهم الآن 2500 فقط. وقد تعهدت الملكية المغربية بإعادة تأهيل تراث هؤلاء السكان، فخلال عام 2016، تم الانتهاء من ترميم الكنيس السابق لمدينة الدار البيضاء.. مبادرة فريدة من نوعها في العالم العربي، والتي من الواضح أنها تزعج داعش والقاعدة ومؤيدي تعريب المغرب. فمنذ وصوله إلى الحكم، دافع محمد السادس عن الهوية التعددية للمغرب حيث يتآلف اليهودي، المسيحي، الإسلامي، الأمازيغي، العربي والإفريقي. استخرج المغرب وعلماؤه ميثاق المدينة المنورة الذي صيغ عام 622م. فقد حدد هذا الميثاق حقوق اليهود كمواطنين غير مسلمين في دولة مسلمة لوضع قواعد العيش المشترك. في يناير 2016، جمع الشيخ عبد الله بن بيه، ذي الأصول الموريتانية، والذي يرأس منتدى تعزيز السلام في المجتمعات الإسلامية الذي يتخذ من أبو ظبي مقرا له، عدة مئات من الزعماء الدينيين المسلمين من جميع أنحاء العالم و50 ملاحظا من غير المسلمين بمراكش، بناء على طلب من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، لتعزيز “إعلان مراكش” بشأن حقوق الأقليات الدينية في البلدان ذات الأغلبية المسلمة على غرار ميثاق المدينة المنورة. نص من ست صفحات تم اعتماده في نهاية الاجتماع، الذي عقد تحت رعاية ملك المغرب. واختتم نص البيان بالتنصيص على أنه “لا يجوز استخدام الدين بهدف حرمان الأقليات الدينية من حقوقها في البلدان المسلمة “. في المغرب، حيث الإسلام هو دين الدولة، لم ينجح في تضمين حرية المعتقد في بنود الدستور الجديد لعام 2011، الذي تمت صياغته في سياق الربيع العربي. بسبب “فيتو” حزب العدالة والتنمية، الحزب الأغلبي أفشل المشروع. وصرح عبد الإلاه بن كيران زعيم البيجيدي: “لسنا في حاجة للتنصيص على حرية المعتقد، لا يمكننا إضافة المزيد من التعددية الطائفية”. بالنسبة إليه المسألة محسومة. إذا كان التيار المحافظ قويا، فالتيار الإصلاحي والحداثي أيضا يحتفظ بنفوذ كبير.. في فبراير 2016، عمّمت جمعية بيت الحكمة، التي يرأسها فتاح بناني، مذكرة على وسائل الإعلام حول حرية المعتقد قبل تسليمها إلى وزير العدل، وإلى جميع المجموعات البرلمانية، من أجل إغناء النقاش العام. ويضمن الدستور المغربي في المادة 25 حرية الفكر والرأي والتعبير بجميع أشكالها. ولكن في الوقت نفسه، لا يزال التشريع المغربي يخرق حرية المعتقد. فعلى سبيل المثال، تعاقب المادة 220 من القانون الجنائي “من استعمل وسائل الإغراء لزعزعة عقيدة مسلم أو تحويله إلى ديانة أخرى” بالسجن من ستة أشهر إلى سنة.. وكجزء من المجتمع المدني، ترغب جمعية بيت الحكمة أن تصبح حرية المعتقد حقيقة واقعية. ولهذا تلح على البرلمانيين لتغيير القانون. إنها واحدة من تلك الجبهات الإيديولوجية حيث يوجد أيضا المغرب بشكل غير متوقع.بالنسبة للعالم السياسي والكاتب عمر الساغي: “يجب أن يؤخذ النموذج المغربي في هذاالاتجاه: التفرد غير المفهوم داخل منطقة جغرافية تعيش اضطرابا شاملا”. لفهم المغرب، الكليشيهات ليست كافية. وأضاف “يجب أن لا تختزل علاقاتنا بالملكية في اللحظة التي نحيي فيها الملك في عيد العرش. خلف كل هذا، هناك عقد يربط الملك بشعبه. وضعه كأمير للمؤمنين يعطيه الشرعية التاريخية ولكن أيضا يضع على عاتقه التزامات عديدة، أن يضمن الحق في الحياة الاجتماعية والسياسية ويحافظ على الهوية الوطنية”، يوضح الصحفي السابق حكيم الغساسي الذي يشرف اليوم على موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. الملك يعيد هيكلة الحقل الدينيافتتحت الدورة الأولى للمجلس العلمي الأعلى، في 8 يوليو 2005، بهدف إنشاء هيئة أكاديمية تتمثل مهمتها في تقديم مقترحات للفتوى، وحث محمد السادس العلماء على انخراط جهودهم الفقهية في النهج المتميز للمذهب المالكي، أي تحكيم قاعدة المصلحة العامة، والتوفيق بين وجهات النظر المذهبية للأئمة والممارسة الميدانية والسياق الدولي، والمعاهدات والاتفاقيات التي تعهد المغرب باحترامها بصفته عضوا في العديد من المنظمات الدولية.. نهج يهدف إلى الحد من الفوضى في القضايا الدينية، وتعزيز الوحدة الثقافية المغربية.في أوائل الثمانينيات، سبق أن توجه الحسن الثاني إلى العلماء ومجالسهم الإقليمية للتصدي للتخريب الديني الذي يمثله الإسلاميون المتطرفون. وأنيطت بهم مهمة الدفاع عن إسلام قوي، متلاحم ويحترم السلطة التي يمارسها أمير المؤمنين. في عام 1990، تحرك المجتمع المدني بدوره وأضفيت عليه الشرعية بإنشاء المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بطموح: الجمع بين التقليد والحداثة.لا إمام في المغرب يمكن أن يعطي درسا في المسجد إذا لم يكن معتمدا. العلماء هم الأشخاص الذين يعينهم الملك. ولا يمكن أن تصدر الفتاوى إلا عن المجلس العلمي، فهو الهيئة الدستورية الوحيدة المخول لها ذلك. يعمل الأئمة داخل المسجد، ولكن الأكاديميين والباحثين يمكن أيضا أن يستثمروا اجتهاداتهم في المجال الديني. بل يتم تشجيعهم حين يكون عملهم مستندا إلى المعطيات العلمية.يقول محمد عبادي الكاتب العام للرابطة المحمدية للعلماء: “واصلنا في المغرب، بطريقة علمية، مساءلة وظيفة إمارة المؤمنين وخصائص الدولة التي تعتبر إسلامية. هذا أدى بنا إلى تفكيك هذا المفهوم وإبراز أن الدولة الإسلامية هي أداة هدفها في نهاية المطاف تنفيذ الأهداف الرئيسية الستة للإسلام التي هي موضع إجماع علماء الإسلام لثلاثة عشر قرنا، وهي: حفظ الحياة، حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ النسل، حفظ العقل والفكر وحفظ المال”.إن الإسلام الشعبي “المعتدل” لا يتوافق فقط مع الديمقراطية والحريات، ولكن أيضا مع شكل من أشكال التحرر.. حتى نشطاء الحركة النسائية يدافعن عنه. “في جميع التقاليد الدينية، هناك تمثيل نمطي معين للمرأة.. المشكلة لا تأتي من النصوص الدينية، ولكن من تأويل الرجال لهذه النصوص”، تقول الباحثة والكاتبة المغربية أسماء المرابط التي
ترأس “مجموعة البحث والتفكير في النساء المسلمات والحوار بين الثقافات” بالرباط. وتتابع: “لهذا السبب من الضروري أن نقوم بقراءة سياقية للقرآن، عندما يتكلم القرآن عن العقل وعن العدالة، يجب أن نرى فيه مفاهيم كونية. ولكن هناك آيات آنية كانت تستجيب لظروف تاريخية معينة. ويجب أن ننظر إلى الغاية وروح النصوص، وليس إلى حرفيتها”. وتقترح أسماء المرابط “أن نستحضر العقل ونستثمره في إعادة قراءة غير مسيسة للإسلام”.
تعتبر المملكة المغربية اليوم رمزا للتسامح، ولكنها أيضا ذات تجربة لاهوتية مفتوحة. وتقدم بديلا موثوقا به للمذاهب الدينية الجامدة التي تشكل المتكأ الإيديولوجي للجهادية، ستفرض إعادة هيكلة الحقل الديني المملكة بوضع أنفها في الكتب المدرسية أيضا، للتحقق من أن التعليم الذي يقدم في المدرسة العمومية يحمل نفس الرسالة.