المصطفى غزلاني: الكائن المتعدد الأبعاد

0

من المؤكد أن للأوهام لذة مكلفة، غير أن تقويض الأوهام أكثر كلفة” نيتشه

عبد العزيز كوكاس

téléchargement 

ثلاثة دواوين: لغة تصويرية تطارد معنى المعنى

منذ نزل على أرض القصيدة عام 1999، ضيفا عزيزا حاملا ل”خرائط الغيم”، التي أخذت تطالعنا قطرات سمائها الأولى منذ بداية التسعينيات، بدا المصطفى غزلاني كائنا حالما، رجلاه ممتدتان في جذور تربة الأرض ورأسه يحلق عاليا في سماوات بعيدة لا تبدو بالعين المجردة، مسكونا بقلق وجودي جسور، ومتسلحا بعبارة رائقة تمتح من العمق البدوي ومن الإشكالات الكبرى التي صاحبت الإنسانية: الحب، الموت، الحلم، الحرية والزمن.. وحين ضاق به الحال وفاض به الوجد بعد تجربة مزلزلة في علاقته بالزمن والحياة والرحيل و”مهاجر اليتم”، كان ديوانه الثاني “أشياء أخرى”، مسكونا بسفر الذات في أعماق كينونتها، في انكسار شرطها الوجودي، لذلك بدت لغة المصطفى غزلاني في فصلي الديوان الصادر عام 2003، “مهاجر اليتم” و”أشياء أخرى” أكثر تشظيا وزئبقية، بصور وانزياحات شفيفة ترصد روحا حائرة متوترة تغلي وتمور.. أضحت اللغة أكثر تشظيا، وتطغى فيها العناصر غير اللفظية كأنها تحاول أن تمنح المعنى لما ليس له معنى، ويمحي تدريجيا ذلك اليقين الصارم الذي اتشح به ديوانه الأول الذي كُتبت قصائده في تسعينيات القرن الماضي، زمن المد الحقوقي والديمقراطي بالعالم وعبره ومن خلاله المغرب.

في “أشياء أخرى” يتعزز البعد الرؤيوي لمصطفى غزلاني ببعد بصري عميق، يشي بإدراك أكبر لتشابك الأزمنة، والإيمان بالإنسان المتعدد الأبعاد، والكينونة الإنسانية غير المغلفة بثبوت الجغرافيا وتحولات التاريخ، بل بجوهر الوجود.. لذلك تعمل اللغة على تحرير الشاعر من الأدلجة والواقعية السطحية ومطابقة الكلمات للأشياء، وتحنيط الماضي، أمام غربة الذات عن زمنها، وصدمة الانهيارات والانكسارات الكبرى والخذلان العام، يرتق الشاعر لغته الخاصة، يبحث في المجازات وأشكال الترميز عن بلسم لجراح التآكل الذاتي..

نجح الشاعر غزلاني في صقل لغته وأدواته الشعرية التي غدت أكثر توهجا، بعمق رؤيوي يحاول القبض على الزمن المنفلت من بين أصابعنا، من هنا طغيان معجم الرحيل على قصائد الأضمومة الشعرية “هجرة، مهجر، سقوط..” وليس من سبيل لمطاردة المتشظي المتعدد الأبعاد سوى تشذير اللغة الشعرية ومحاولة تحريرها من خطيتها.. “تحمل أيها القول الفاضح، تواريخنا كأعمارنا من مسقط إلى مسقط (ص 46 “أشياء أخرى”)، ولا دليل لا يكذب أهله في عتمة الظلال، العزلة، السقوط، الصمت، الموت.. سوى العشق والحلم في زمن يأكل أبناءه بلا شفقة، “حملني شهادة بعنوان غير تام والصمت فج بظلين متقاطعين ليسا يهديان إلى السير، ليس يرشدان إلى الطريق” (ص 43 “أشياء أخرى”).

لم تعد الرؤيا مخملية كما في “خرائط الغيم” الباكورة الإبداعية للمبدع المصطفى غزلاني، فالتعدد والهجرة من لغة إلى أخرى، والحلم والحب والسفر والموت.. ستخلق في القصيدة الواحدة أصواتا متعددة، حوارية ثرية بنفس درامي، فالتجربة الوجودية التي مر منها الشاعر تركت بصمتها تصورا ولغة في “أشياء أخرى”، وعمقت إحساس الذات المبدعة بضغط الزمن وتشظي الأشياء من حوله في زمن السقوط. ولأنه ابن الريف، المحتفي ببداوته في عمق إبداعه وفي معيشه، فإنه يمنح الأرض جسد القصيدة، والزمن شكل الأفق المفتوح على الممكن لا الثابت، على المختلف لا المؤتلف، المتعدد لا الواحد، لذلك يعود المصطفى غزلاني إلى شعرية المنثور، حيث يحاول السرد منح لغة الشعر حياة أخرى، والقبض على هذا المتعذر لمسه، ذاتا موزعة بين السفر والرحيل والمرض والموت والقلق وبين شهوة الكلام عن عذابات لا توصف، وانهيارات أصابت كل شيء، وخلخلت حتى علاقة الشاعر بذاته، “عند كل صباح تتلكأ قدماه عن المشي تتعثر، لم يدرك أنها أشلاء حلمه الأكبر كانت ترفض الموت” (ص 16، “أشياء أخرى”).

الشعر بيت والحكاية عراء

الشعر مسكن وجودي، التكثيف الأعلى لعالم يزداد صغرا في “التلسكوب” الإبداعي فيما تعقيداته لا تتوقف، وحين يضيق البيت الشعري بساكنه، تنفتح نوافذ الحكي على العراء.. هل يختار المبدع جنس كتابته؟ أبدا، لأن إبداعه يكتبه، إنه يكتب بيد ثالثة، على اعتبار أن الكتابة مراوحة بين الوعي واللاوعي على حد تعبير الشاعرمحمد بنيس.. فحين كفت السماء عن أن تمنح الشاعر “خرائط الغيم” وأن تمده بأسرار “أشياء أخرى”، أو تحمله إلى أقاصي “رعاة النور الأسود”، الذي يوازي فيه الشاعر بين الصورة وظلها، وجد المصطفى غزلاني نفسه في حضنه الأول، وشي الحكاية.. فكانت “بيض الرماد”، التي ليست “بيضة الديك”، ثالث مشروع روائي لهذا المبدع المسكون بكينونة الأسئلة الوجودية المعتقة، كأنه يجيب بطريقته على السؤال البيزنطي: “من الأسبق إلى الوجود: البيضة أم الدجاجة؟”، ويقر أن “بيضة الرماد” أسبق من “الجراء” وجودا، لحكمة في نفس “المصطفى”.

“بيض الرماد”.. هذا الحكي القادم من سلالة باذخة

القتل والإفناء وإنقاض السلالة هو ما يحكم “بيض الرماد” ذلك البيض غير المخصب والذي لا يحمل في ذاته هوس تأبيد السلالة، حيث تسارع شخوص الرواية إلى وضع حد وجودي وفكري لكل أشكال الاستبداد والأنماط الذكورية/ البطريركية، والتسلط والاستبداد.. رواية “بيض الرماد” هي صورة فواحة عن زمن لا يلد إلا عقمه الذاتي، زمن محكوم بنهاية السلالات، العلاقات والبنيات، فشخوصها، لم يكن همهم سوى الخروج من حالة التسلط والاستبداد والدكتاتورية، لذلك فإن “بيض الرماد” يبدو مثل وأد وتصفية سلالة الخنوع والاتكال والاستسلام للقدر وللقوى الاستبدادية، وبذر جينات جيل جديد لا يرى في نواة الذكورية سوى مجتمعا مغايرا..

قبيلة أولاد حمو ببن سليمان في القرن 19، هي نموذج مصغر لمجتمع مغربي قيد التحول وإعادة التشكل، مجتمع رعوي يصطدم بأسئلة جديدة وبتعقيدات مغايرة، لم يعد للسي الكبير – رمز التسلط والاستبداد- ما يقدمه، لم يعد كبيرا.. رواية “بيض الرماد” التي تمتد على (183 صفحة من الحجم المتوسط)، والتي تم إدراجها في بعض مقررات الجامعات المغربية، تحمل بيض الخصوبة لهذا المبدع المتعدد.. السي الكبير السيد النافذ في قبيلة أولاد حدو، المتسلط الذي لا يترك شيئا للصدفة، كل شيء هنا تحت نفوذه وجبروته من شرق القبيلة التي لا يحد سيادتها سوى الواد لحمر، ومقبرة الأموات في الجهة الجنوبية، والخيام الشائكة في الحدود الشمالية، ويحده غربا هذا المحيط الأسطوري الذي لا حد لسطوته.. بحر الظلمات، ثم هذا العلال الذي لا يُعتلى عليه، ابن المعطي عاشق ”عيشة” الفقيرة ذات السلالة القابعة في القعر الاجتماعي (عائلة السي قدور)، الراعي الذي يعيش في عزلته بعيدا عن تعقيدات التركيبات الاجتماعية القروية بكل قيمها (طاعة/ استبداد، سيادة/ عبودية، إقطاع/ خدم، سادة/ رعاة، مركز/ هامش، قمة/ قاعدة اجتماعية تغوص في قعر الهشاشة والتهميش).

علال البطل الذي سيعشق “عيشة”، الفتاة المهمشة قصرا، المغتصبة في وجودها.. حين يعود علال ليلا إلى القرية تنفتح عيناه على سماوات أخرى، الحياة الحقيقية لأهالي القرية وتورط والده في المحظور.

“جراء”.. حين تمارس الشخوص عصيانها على حالمها

الاقتصاد هو السمة الأساسية للعمل الروائي الثاني للمصطفى غزلاني، اقتصاد في الشخوص، في تداعي الأحداث وفي اللغة السردية، أمام غزارة الدلالة وانفتاح أفق الحكاية التي لا عيب فيها سوى قصرها.. تشد قارئها وتسافر به إلى عوالم فسيحة خارج الممنوع الذي يسور القرية مهد أحداث الرواية.

منذ البدء تعلن الشخوص عن تمردها، ستنتفض جراء في وجه الكاتب المفترض يوسف رافضة كل إملاءاته وعجرفته “وكيف سأتحمل الوضع الذي أردته لي، وهو يخالف نمط حياتي تماما، العام منه والخاص” (ص 21). و”عليك أن تمنحني حريتي، وإلا كيف وأنت تقيدني بكل هذا؟” (ص 27).

صـؤاب ذاته الشخصية التي لها حضور هائل في الرواية، والذي اختاره يوسف عاشقا لجراء وفرض عليه أن يظل منصاعا لسلطته، “اسمع صؤاب، عليك ألا تنسى حقيقة أمرك، أنا من استقدمك بغاية أداء مهمة واحدة ووحيدة، لا أريد منك اجتهادا أو تأويلا أو تفسيرا، وعليك أن تحمل ما أريد لك” (ص 41).. يوسف المنكسر، المحبط، المهزوم يخوض بطولته الورقية بحزم ويريد بسط سلطته على كائنات حلمه، لكنها تأبى.. فالتحرر من المواضعات الاجتماعية والأخلاقية ومن البرامج السردية الصارمة هو الذي يدفع الشخصيات بنوع من العناد لترسم مسارها الشخصي ومعانقة قدرها الوجودي، وهو ما يجعل رواية “جراء” عملا إبداعيا مفتوحا.

في “جراء” يمكن أن ندرك أن للمكان وجوداً واقعياً خارج الذات البشرية، فيما أنها تتحدث من منطلق الحدس الذاتي للإنسان. فأحيانا يوحي لنا بوجود مكان موضوعي خارج عنا، كما يعلمنا إيمانويل كانط، فللمكان سلطته في الرواية، فضاء “أولاد غلام”، سيدي هماد، المالحة، سهب العجول والقصعة… تحتضن حضور وغياب الشخوص، بحثهم عن الحرية والانعتاق ليقولوا صوتهم الخاص بلا إملاءات وفي قلب هذا الصراع من أجل الحرية ينمو الحب.

يوسف أو لمهف أو ولد الشياظمي كاتب ينتسب لقرية أولاد غلام، يريد كتابة قصة حب بطلاها جراء وصؤاب “إني أريدك أن تكوني فتاة قصة أكتبها فقط، لا زوجة ولا خليلة ولا أختا ولا أي شيء من كل هذا” (ص 19)..

فالشاعر والنحات والرسام والروائي المصطفى غزلاني يكتب بهذا البعد المتعدد في الجنس الأدبي أو النوع الفني الواحد، يقرض الشعر كما يسرد الوقائع، ويحكي كما ينحت أو يرسم علاقة الناس بالأرض والوطن، تحتفي مخلوقاته بهدم الحدود بين الأجناس والأنواع، ويتخلل محكياته كما قصائده وصف باذخ ولغة شعرية تجري أصداء موسيقاها في خلجان الألفاظ والعبارات مساهمة في إنتاج دلالية النص المفتوح على اللعب، النقد، السؤال… وفي لعبه في رسوماته يركز على الصورة وظلها.

المصطفى غزلاني هذا القادم من أصول قروية، يود دوما الحفاظ على صلة وثيقة بالأرض، في كل كتاباته وإبداعاته التصويرية ثمة ملمح للتراب، هذا البني الذي يكتسح لوحاته ليربطنا بالأرضي، نشم فيها رائحة الصلصال والمخاضات الأولى للكينونة البشرية.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.