لعبة السياسة

0

عبد العزيز كوكاس

“لا يكفي أن تتوفر لديك عناصر نجاح اللعبة، ولكن يتعين عليك أيضا أن تعرف  كيف تلعبها”       

هيرمان ألتيس السفير الأمريكي الأسبق بمصر

الحسن الثاني

كان الراحل الحسن الثاني، يرفض أن تُنْعَتْ السياسة بوصف اللعبة، لأنها ستبدو كما لو أنها نقيض للجدد الذي وشم به حكم المغرب على عهده من منظوره كرجل ضليع  في فقه اللغتين الفرنسية والعربية اعتبر أن عبارة اللعبة السياسية هي مجرد ترجمة إسقاطية للعبارة الفرنسية. LeJEUPOLITIQUE لذلك دافع حتى رمقه الأخير عن السياسة كجد وليس كلعبة لكن لم نتساءل يوماً نحن كمتلقين لماذا رفض الملك الراحل وصف السياسة باللعبة؟ فقد اكتفىلفاعلون السياسيون بحذفها من قواميسهم دفعاً لأي إحراج وكفى المغاربة شر التفسير والفهم

حين أطلق الأوربيون لفظة لعبة أو لعب على السياسة ليس لأنها نقيض للجد أو أنها مجرد تسلية، فهذا الإطلاق الاستعاري محمل بمضامين دستورية وقانونية، فاللعبة  تتكون من أطراف متنافسة كل واحد منها يريد هزم الآخر واكتساح الملعب  وتسجيل نقط على الخصم وِفْق قواعد مرعبة يحترمها المتنافسون فمن يمتلكون  حساسية مفرطة تجاه الألفاظ بعيداً عن سياقاتها الحقوقية، قد يذهبون إلى أبعد مدى، فقد ينادون بحذف كلمات مثل هجوم، هدف، مدافع، انتصار، هزيمة، مرمى، إصابة، قذفة، ضربة زاوية، مربع العمليات، من لعبة جميلة مثل كرة القدم، وقد يعتبر ذلك  استعارة في غير محلها من المجال العسكري إلى المجال الرياضي. الأوروبيون حين أطلقوا كلمة “لعبة”على السياسة قصدوا من خلالها، أنه كما يحترم  المتنافسون في أي لعبة قواعد وقوانين اللعب ويعرفون مصيرهم حين يرتكبون أي  أخطاء بخرق هذه القواعد، يجب أن يحترم الفاعلون السياسيون شروط اللعب في  الجد السياسي، أي قواعد التعاقد السياسي حسب شكل أي نظام للحكم، وأن يتم  احترام كل طرف للآخر، وأن يكون التنافس بوسائل مشروعة من أجل الوصول إلى مرمى السلطة.

وصف السياسة باللعبة لا يضفي عليها أبعاد الفُرجة، بل يقصد من خلالها وجود متنافسين وهناك قواعد سابقة يعرفها اللاعبون ويحترمونها…

لكن لماذا كان الراحل الحسن الثاني يرفض نعت السياسة باللعبة؟

من جهة لأنه كان فاعلا مركزياً، فهو لم يقبل بدور الحَكَم بين باقي الفرقاء السياسيي وظل مؤمنا بأن الملكية لا يمكن، بحكم التاريخ والجغرافيا، أن تظل في وضع  المتفرج على ما يقع في المشهد السياسي، وبحكم أنه فاعل سياسي، فعبارة اللعبة  السياسية ستفرض حتما أن يكون هناك لاعبون آخرون، إذ لا يستقيم الأمر في أية  لعبة أن يكون هناك لاعب وحيد وأوْحد من اللعب الجماعي حتى اللعب الفردي،  فهناك دائما متنافسون بدونهم لا تتم متعة الفرجة في أي لعبة، وعلى اعتبار أن  الراحل الحسن الثاني، لم يكن ليضع تاج الملكية في مواجهة متنافسين آخرين، فإنه ظل يرفض عبارة اللعبة السياسية لأنها تفسد عليه شكل اللعبة التي أرادها هو وِفْق  شروط الممارسة التي حددها هو، إذ أن مجرد قبول الحسن الثاني بوصف اللعبة  السياسية، كان سيفرض عليه ميثاقا للتعاقد السياسي ووضع قواعد دستورية وقانونية متواطئ عليها يقبلها جل المتنافسين في الحقل السياسي بمن فيهم الملك، وأن يقبل  حينها إما بدور الحكم، كملك يسود ولا يحكم، وأن تكون شروط اللعبة السياسية  مفتوحة في وجه كل المتنافسين وتضمن لهم تكافؤ الفرص في التنافس على السلطة، وإما أن يتحول كملك إلى لاعب سياسي مثله مثل باقي اللاعبين، ه ما لهم وعليه ما عليهم،وفي هذه الحالة سيكون مجرد متنافس في وضعية متكافئة مع فاعلين سياسيين وفق ما يقتضيه منطق اللعبة السياسية، وهنا سيخضع حين يصل إلى ممارسة  السلطة إلى المحاسبة وتكون هناك سلط أخرى تراقب عمله، ويحق لها مساءلته.

وبحكم أنه كان ميالا إلى السيف الذي في حده الحد بين الجد واللعب على حد قول أبي تمام، فإنه اكتفى بأهْون الضررين، إذ أزال صفة “لعبة” عن السياسة، ولعب دور الأب، وخلق أبناء من ورق يتنافسون مع باقي الفاعلين الوازنين، وقبل بأن  يمارس “السياسة الجادة” بتوطيد أسس ملكية تنفيذية تخلط بين السلطة والثروة،  وتتدخل في كل تفاصيل المشهد العام للبلد دون أن تقبل بواجب الحساب والمراقبة،  أي ببساطة رفض القبول بلعبة سياسية بقواعد ديمقراطية واضحة تمنح نفس فرص  المنافسة حول سلطة الحكم أمام كل الفاعلين السياسيين على قدم المساواة وفق  قواعد مرعية وشروط متواطئ عليها بين جل مكونات المجموعة الوطنية.

لقد كان لفظ الجد أَرْيح بالنسبة للراحل الحسن الثاني من وصف السياسة باللعبة لأنه كان يريد الزبدة وثمنها، وإلا كيف وصف أشغال برلمان الأمة “بالسيرك” والسيرك لعبة ومجال للفرجة والتسلية،وأصدقكم القول إني قد أرتاح لوصف برلمان بالسيرك حيث يلعب نواب الأمة كل الأ دوار البهلوانية ليزيلوا الغمة عن الأمة، بدل أن ننعته بشيء آخر غير هذا، لا أملك الآن وهنا لا الجرأة السياسية ولا الأخلاقية على قوله:

“إنني هنا أتكلم جاداً ولا ألعب”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.