عبد العزيز كوكاس
“لا نهزم السلطة بوردة”! جان إيف تادييه
لا نهزم السلطة بوردة، كما لا يمكن أن تهزم السلطة وردة بهراوة!
ذلك هو السر في التمييز بين “دولة القوة” و”قوة الدولة”.. مساران ملتبسان وشما جسد الدولة المغربية الحديثة.

قد لا نتنازع- كديمقراطيين- في تفسير أسباب “دولة القوة” بالمغرب منذ الخمسينيات إلى نهاية الثمانينيات في زمن الأحلام الكبرى وصراع الإيديولوجيات في عالم ثنائي القطبية، لكن يمكن أن نختلف في بسط أسباب “قوة الدولة” في جوانبها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية..
إن “دولة القوة” زائلة إما بتطويع ذاتي لأجهزتها أو وفق سياقات خارجة عن رغباتها أو بمزاحمتها بقوة منافسة… أما “قوة الدولة” فهي مثل البنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضا والذي يدوم ببقاء أسباب قوته غير القمعية بالضرورة لتوحد المصلحة داخله.
تأسيسا على هذا، هل الدولة المغربية الآن قوية؟ ووفق أي معنى؟
لنستعرض بضعة محطات لاختبار ردود فعل الدولة، وواقع اختبار قوتها:
-المحطة الأولى: غداة رحيل الحسن الثاني، بدا لكل من حضر الجنازة، أن الأمور قابلة للانفجار أمام تلك الحشود العائمة من الجماهير التي حجت إلى العاصمة من كل حدب وصوب، وإذا حدث أي احتكاك فلن تُوقف زحفها أية قوة، فتصرفت السلطة بحياد.. اكتفت بدور المراقب وإجراء التحاليل حول ما حدث، بدا كما لو أن كل شيء محسوب بميزان من ذهب في لحظة بياض في تاريخ السلطة السياسية بالمغرب.. ومر كل شيء بسلام.
انتقلت مقاليد الحكم إلى الملك محمد السادس، وعاد الناس للخوض فيما كانوا فيه مستبشرين بملك جديد ظهر في صور حميمية كسرت الأجواء الرسمية الباردة “للسلطان”، وحدها السلطة أدخلت الأرقام والتحاليل إلى مختبراتها لاستخدامها فيما يأتي من الزمن!
-المحطة الثانية: مع تظاهرة7 أبريل 2002 للتضامن مع الشعب الفلسطيني، أحست الدولة بعد سلاسل المنع أن الاحتقان الداخلي وسط الشعب قد وصل حد الانفجار، فرخصت بتنظيم المسيرة وحشدت لها كل أجهزتها، وأمام حساب الأحزاب وخلافاتها، تبنت الدولة مسيرة الشعب الحاشدة وحولتها إلى انتصار قابل للاستثمار في الداخل والخارج، فمن حيث التوقيت، اختارت السلطة 7 أبريل 2002 بمنتهى الدقة، فهو قريب من فاتح ماي لذلك بدت التظاهرات العمالية شاحبة، لأن مساحات الغضب تم إشباعها في مناسبة قومية همت شرائح متعددة تتجاوز العمال والطلبة… ومن جهة أخرى تم اختيار توقيت متزامن مع زيارة كولن باول للمغرب وشَكْل استقباله البارد بشارة “كلنا فلسطينيون” وبعدها طار الملك إلى أمريكا ليستثمر سياسيا واقتصاديا ما أثمرته مسيرة 7 أبريل2002 من موقع القوة التفاوضية.
بعدها وعت الدولة العميقة بالمغرب الدرس الاجتماعي أقوى مما استطاع أن يستوعبه نظام بن علي ومبارك والقذافي … تمرنت السلطة على بعد استعادة الفضاء العام الذي سمحت بأن يستثمر من كافة القوى والفاعلين ولكن ظلت تعيد تكييف ترسيم الخطوط والموانع وفق مستجدات الشارع السياسي وضغط المطالب الاجتماعية .. ولعبت المعلومات المتحصلة والسرعة على تحليلها وترتيب النتائج المؤمل منها في تمنيع قوة الدولة وتحصينها، وهو ما حمى النظام السياسي من ارتجاجات الطريق مع هبوب رياح الربيع العربي.
إن مصدر قوة الدولة غير نابع من قوتها القمعية واستخدامها في كل حين، كما قد يميل إلى ذلك الحرس القديم في الأجهزة، بل في تقدير نقط ضعفها وحجم قوتها في آن، وامتلاكها معرفة حقيقية بالمجال الذي يحيط بها وتتحرك داخله.
قوة الدولة في جميع محطات الاختناق الاجتماعي طيلة العقد الأخير لم تكن باستعراض الأسلحة القمعية التي تملكها، ولا بقدرتها على الضبط القمعي، بل نابعة من امتلاك وعي حقيقي بآليات الضبط والترويض والتكيف.. وهذا ما عكسه تصريح وزير داخلية سابق حين قال في اجتماع سري :”لا تستهينوا بالشارع!” ونصح مجموعة من الفاعلين بأن مفتاح الأزمة التي تعانيها الدولة اليوم تتمثل في تحمل كل الأطراف مسؤولية حل معضلة البطالة، بما يعني أن الدولة تعي نقط ضعفها، لكن هل هذا وحده يكفي؟!
الدولة مجموعة غير متجانسة من المصالح، والخطر في المغرب ظلت منابعه دائما من داخل أجهزتها، وقد نجح الحكم حتى الآن في رسم الحدود داخل الأجهزة بالشكل الذي لا ينفجر فيه الصراع، ولم يكن رأي تيار نافذ في الدولة العميقة يشكل يومها بالضرورة منحى لتفكير باقي الأجهزة.
وإذا كانت بعض الأجهزة الاستخباراتية اليوم قد بنت استراتيجيتها على أساس التفوق في حصد أكبر عدد من المعلومات، واخترقت حتى حرمة الهواتف بالتنصت على كل صغيرة وكبيرة، فإن العبرة لم تكن يوما بحجم المعلومات المرصودة، بل بالعقل المدبر الذي يستطيع، بناء على تحليل وتفكيك وتركيب المعلومات القليلة المتوفرة، بناء استراتيجية التعامل مع الواقع بكل مركباته والقدرة على التنبؤ بما يمكن أن يقع على آماد بعيدة، فهل تستطيع السلطة إدامة قوة الدولة، بالانتقال من سياسة تدبير اليومي.
مع مسيرة يوم الأحد للتضامن مع غزة يبدو أن الدولة وحدها فهمت الحكاية وأسرارها وكيفت رغبات الشارع مع اتجاهاتها..إنه الدرس الذي لم تستوعبه للأسف كافة التشكيلات السياسية والإطارات المدنية.