عبد العزيز كوكاس
“إذا كنت لا تستطيع الابتسام فلا تفتح دكانا” مثل صيني
حين سألت زميلا لي ومناضلا في أحد الأحزاب اليسارية الكبرى عن عدم حضوره لنشاط سياسي لحزبه قال لي بالحرف: “الله ينعل أمها سكرة فبار ولا فيه الفيدورهو مول البار” وحين قصر فهمي عن استيعاب قول صاحبنا، ولما لمس مني قصورا في الفهم، أضاف: “بالأمس كانت أحزابنا تشبه الحانة.. مكانا للحلم وتفجير المكبوت وللالتقاء برفاق الدرب، فضاء للأمل وشحن الذات بالأماني الجميلة… وكان للحانة مالك أنيق لا يُرى إلا لماما، يبدو أنيقا ملما بأسرار نعجز عن فهمها، كان ياسرنا بطلعته البهية وبكلامه الساحر الذي يخرج من فمه مثل الدرر، ويتحول لدينا في الأماسي الباردة والنقاشات الحامية إلى حكم نستدل بها في حديثنا ونحاجج بها من يختلف عن وجهة نظرنا.

وكان لهذه الحانة مدير للعمل اليومي يشرف على تنظيم شؤونها ويشرفعلى تسييرها بشكل مباشر، ولاتغرب عنه أي شاذة أو فادة، وحين كنا نهيم – نحن مرتادي الحانة– في أحلامنا الحمراء مؤمنين بالتغيير بحماس قل نظيره، كان مدير البار يتتبع كل التفاصيل عن مرتادي الحانة وأشيائها، وفي الباب الرئيسي للحانة هناك فيدورات كل قوتهم تبدو في الآلة الضخمة لجسدهم، لا يعرفون إلا تطبيق الأوامر والحفاظ على هدوء الحانة وطرد المشاغبين وغير المرغوب فيهم، والوقوف حاجزا أمام كل شخص يمكن أن يشوش على النظام الداخلي للحانة.
وبعد موت المالك الأصلي للحانة الذينلا يتذكر الرواد إلا صوره المشرقة والأنيقة التي لا تشوبها شائبة، أصبح المسير هو المالك الأصلي لهذه الحانة والذي أصبح يفوض بعض اختصاصاته في إدارة “البار” لأوفى فيدور لديه، وهنا بعد أن كانت الحانة تتسع لفئات مختلفة من المجتمع وتسمح بحق النقد نسبيا وممارسة الاختلاف في الحدود الدنيا التي تسمح بسير الأمور داخل البار بشكل عادي وطبيعي، زادت نسبة التحكم في رواد الحانة ومراقبة ما يخوض فيه الزبناء، وارتفعت قائمة الممنوعات داخلها ولم يعد يسمح بالقدر الكبير من الاختلاف وبدأ الفيدورات يغلقون النوافذ التي تسمح بدوران تيار الهواء، وكلما اشتكى زبون من سوء الخدمة وتدني جودة ما يقدم داخلها من شراب ومأكولات أخذ يواجه بالتشويش، لكن بحكم حجم وثقل صورة المالك الأصلي للحانة رغم رحيله وبحكم السمعة السابقة البار، فإن المالك الجديد لم يكن يذهب إلى أبعد مدى حتى ولو كان أشبه بشفرة حلاقة وسط قطن ناعم، وبعد أن رحل كما تقتضي الطبيعة المسير العام الذي أصبح مالكا للحانة بعد رحيل مالكها الأصلي آلت أمور الحانة كلها إلى الفيدور الوفي الذي أصبح هو المالك الأصلي الذي لا تحدث جزئية صغيرة في قلب البار دون أن تكون بعلمه، وبحكم أنه كان في الأصل مجرد فيدور فقد ظل يعتمد على قوته الجسمانية في حل كل المشاكل الطارئة، لذلك لا يسمح بأن تتعالى أصوات الزبناء فوق ما يراه مناسبا ولا الاحتجاج على تدني جودة الخدمات داخل البار، وأصبح كل من يبدي حدا أدنى من النقد لكيفية تسيير الحانة يجد نفسه مطرودا، وختم المناضل السياسي كلامه بنفس ما ابتدأ به قائلا: “الله ينعل أمها سكر في بار تحول الفيدور فيه إلى مالك أصلي”.
وأدرك سكارى الحانة الصباح فسكتوا عن الكلام المباح.