السلطة والوردة

0

 

عبد العزيز كوكاس

“الحياة كالوردة.. كل ورقة خيال وكل شوكة حقيقة” حكمة هندية

لا يمكن أن نهزم السلطة بوردة، كما يقول الناقد الفرنسي “جان إيف تادييه”، لكن شباب حركة “20 فبراير” نجحوا في ذلك، حين نزلوا إلى شوارع العاصمة بأسلوب حضاري، وأخذوا يوزعون الورود على رجالات الأمن ونسائه، في إطار إعدادهم لتظاهرة 20 مارس.. لقد نجحوا في إيقاظ الجانب الإنساني في السلطة، للإبقاء على أنوثتها ووداعتها، لأن السلطة عندنا ظلت أنثى في المبنى اللغوي فقط، أما على مستوى الواقع فلم تكن تتخلى أبدا عما يؤكد لنا ذكوريتها، فأصحاب الحال ظلوا دوماً يذكرون من ينسى منا، أن السلطة بالمغرب هي “راجل ونص”، واسألوا المعطلين الذين كانوا يحتجون بشكل يومي أمام البرلمان عن طعم هراوات السلطة التي وشَمَت ظهورهم، وهشَّمت أضلاع بعضهم!

387067_286005124766031_222619661104578_923283_1524493143_n
حرية

فجأة اختفت قوات الأمن من الشوارع الرئيسية التي عبرها المتظاهرون ومن الساحات العامة التي تجمهر فيها شباب حركة “20 فبراير”، وفي تطوان اصطفت، في مشهد أنيق، شرطيات حول الساحة التي تظاهر فيها المواطنون، ومرَّ كل شيء بسلام!

لقد نجح “الفبرايريون” في أن يهزموا خشونة السلطة بوردة، فجعلوها أنثى مبنى ومعنى، إذ خلصوها من بعض هرموناتها الذكورية الزائدة عن اللزوم.. في ليلة بدء فصل الربيع، رأينا كيف تخلت السلطة في المغرب عن خشونتها، وكيف كان الشباب مثل طائر السنونو الذي يبشر بالربيع، لذلك هزموا السلطة بوردة..

بدت الورود التي وزعها المتظاهرون على عناصر الأمن، كما لو أنها ذات مفعول سحري، قلَّصت فائض جرعات الذكورة في قلب القوات الأمنية التي بدت خشونتها سافرة بالبيضاء وخريبكة أسبوعاً قبل ذلك، هشَّمت أضلعا، وكسَّرت عظاماً، وقدَّمت ذاك الأحد استعراضاً زائداً لذكوريتها، وإذا كان اللسان ليس فيه عظم، ووحده مقبول منه “الفلتان”، فإن عصا السلطة كلها عظم، لذلك فهي دوماً مستقيمة ولم يكن مسموحاً لها يوماً بأن تخطئ.. أعضاء المحتجين.. لكي لا أقول ظهورهم، لأن هراوات السلطة، ليست مثل الضرب الرحيم، حين كانت أمهاتنا توصيننا بأن نضرب إخوتنا الصغار في اللحم الغليظ، فليس للسلطة قلب الأم!

لقد أعادت ورود شباب حركة “20 فبراير” للسلطة طابعها الإنساني، وخلَّصتها من غرائزها المتوحشة، فمرَّت تظاهرات المواطنين يوم 30 مارس بسلام، فغنم شباب الحركة الاحتجاجية الإيجابية، وغنمت السلطة شهادة حسن السيرة والسلوك التي قدّمها الكل أمام كل “هاذ الُخْمَاج” من القادة العرب الذين يصفون شعوبهم بأقدح النعوت، ويسلطون عليهم هراوات القمع ورشاشات القتل وبنادق القنص…

فهنيئا لشباب حركة “20 فبراير”، السنونو الذي بشَّر بربيع الديمقراطية، وهنيئا للسلطة التي استرجعت عقلها الرزين وأنثويتها كما في المبنى اللغوي للكلمة، وهنيئا لنا بلحظة تاريخية، نأمل أن تتحد فيها كل الإرادات الصادقة من أجل تغيير حقيقي..

نتمنى ألا نخطئ موعدنا مع التاريخ مرة أخرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.