عبد العزيز كوكاس
“إن المستبدين لا ينكرون أن الحرية رائعة، لكنهم يريدونها لأنفسهم ويرون أن غيرهم غير جدير بها” توكفيل
إننا على عتبة زمن انتقال على المستوى الكوني.. تونس ومصر ليستا سوى المختبر الأساسي لصراع أفكار ومواقف لاهتزاز بنيات وطبقات.. لقد انتهت نظرية “هينتينغتون” حول أولوية الاستقرار وأسبقيته على الديمقراطية، والتي من وحيها كانت أمريكا والدول الغربية عموماً تدعم الأنظمة الاستبدادية والتوليتارية وأشكال الحكم الأوليغارشي، ما دامت تضمن الاستقرار في منطقة نفوذها وتحمي المصالح الأمريكية والأوروبية..

لقد صنع الشاب البوعزيزي ربيع الشارع العربي، وتبعه كل الشعب التونسي، ثم المصري والجزائري واليمني والسوري والبقية تأتي..
فحبات السُّبحة لا زالت تَكِرُّ.. وتحطمت معها نظرية المؤامرة والعمالة، وأن الديمقراطية ليست حكراً على مجتمعات الوفرة وحدها. لقد دخل النظام العربي مرحلة مختبر سياسات التدبير ونظريات التحول، واستراتيجيات الصراع… مرحلة تاريخية يجري داخلها كل شيء بسرعة وتتفاعل الأحداث من غير سابق إنذار.. وخارج المعالجة السطحية المتسارعة التي نراها في وسائل الإعلام المعروضة، بحكم وظيفة وسائل الاتصال، فإن الفكر لا زال عاجزاً عن القبض على ميكانيزمات التحول التي تحكم هذه اللحظة التاريخية من زمن النظام العربي.. البعض يمكن أن يتحدث عن ضريبة التحديث المعطوب في غياب الديمقراطية التي تؤسس لصراع المصالح والهويات، فيما سيرجع البعض ما يقع إلى تكلفة تحول المجتمع التقليدي في صراع مع متطلبات الحداثة في غياب أي تأهيل اجتماعي أو ثقافي، أو إلى كون الدولة التوليتارية ظلت جامدة، فيما التحولات الاجتماعية كانت في حالة سكون، لكنها حاصلة بسبب ضعف اقتصاد التضامن أمام ارتفاع تكلفة الخيارات الليبرالية الهجينة والمتوحشة، وغياب مجالات ثقافية واجتماعية لتنفيس الاحتقانات والإحساس بنوع من الإقصاء والعقم الذي لازم الشارع العربي منذ لحظات الاستقلال والثورات الموؤودة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.. فيما قد يربط آخرون ما حدث بانغلاق النظام السياسي العربي برغم العولمة الضاغطة واتساع مساحات تأثير وسائط التكنولوجيا الجديدة، بما يعني أننا أمام ثورة المحرومين من التعبير عن أنفسهم بحرية، والمهمشين المبعدين من المساهمة في خلق الثروة والاستفادة منها..
وفي الوقت الذي انتشر فيه التعليم وتطورت الديمغرافية في العالم العربي، استمرت المؤسسات والرموز في الحكم العربي هي نفسها: نخبة حاكمة تراكم السلطة والثروة، طقوس متخلفة لممارسة السلطة بشكل غريزي، وفكر سياسي جامد لم يعد ينتج أساطير دافئة للشعوب العربية، وصل أقصاه مع تحويل الأنظمة الجمهورية إلى ملكيات للتوريث العائلي والنهب الاقتصادي على حساب أغلبية الشعب..
لقد سقط بن علي بتونس واهتزت بنيات حكم حسني مبارك بمصر، لأن تكلفة نظاميهما السياسيين أصبحت باهضة، ولم تعد الطبقات المتوسطة وجيل الشباب الجديد قادرا على تحمل أعباء التنمية فقط دون اقتسام فوائدها.. لم يعد الشعب قادراً على أن يؤدي فواتير ترف الحكام الأبديين، وشراهتهم في السلطة الاستبدادية على حساب حريتهم وحقهم في التنمية والتقدم والديمقراطية. إننا نعيش “زمن العتبة” (الذي تحدث عنه باختين عن روايات دوستويفسكي)، لحظة مفصلية بين زمنين.. إنها لحظة انتقال عسيرة، نتمنى أن تكون بأقل تكلفة، وتتم بالسرعة المرجوة.