خيبات وانكسارات

0

عبد العزيز كوكاس

“التاريخ هو الحصيلة الإجمالية لأشياء كان من الممكن تفاديها” كونراد أديناور

في السياسة.. تكون انتصارات بعض المعارك التي لا نخوضها خير من تلك التي نرغم على خوضها بلا ضمانات في الربح، لا أقصد الانتصارات المأخوذة بمكر القتل ورائحة الدم، بل أقصد تلك المعارك التي تعي أنك لو مشيت في غير الطريق السليم ستخسرها حتما، وتبتدع طرقا فيها الكثير من الدهاء والمكر السياسي.. ذاك ما حدث مع حركة 20 فبراير.

إننا نحتفل بزمن قريب، ليس غارقا في القدم حتى تفسده الذاكرة، وتختلط فيه الحقيقة بالخيال.

Demonstrators gesture as they hold a flag symbolizing the February 20th protest movement during a demonstration in Rabat

“20 فبراير” كانت أكبر من محطة زمنية، إنها حقيقة أكيدة شئنا أم أبينا، فالتاريخ لا يقبل العناد، والكذب فيه أحيانا قد يصلح أن يكون مجرد كلمة لبناء جملة، لكن للتاريخ أيضا، يجب أن نقول إن 20 فبراير كانت مثل ناقوس يوقظنا في اتجاه الحلم الصحيح، يرشدنا نحو أشيائنا البسيطة، ما يجب عليه أن نكون، كبلد قار، مستقر، منمى وديمقراطي في ظل ملكية ديمقراطية أيضا..

لقد انقرضت عشرين فبراير، هذه حقيقة أخرى، والتاريخ لا يمكن أن يعيد نفسه، إذ لو أعاده لكان ذلك بشكل كوميدي أكثر إضحاكا أو إيلاما أيضا.. لكن سيبقى خطاب 9 مارس 2011، مثل ما وصفه بلاوتوس بجرة الذهب، إن لم تكسرها فهي ثمينة وجميلة، وإن كسرتها فأنت غنمت أشياء كثيرة، لأن جرة الذهب مثل الكثير من الجِرار لا تسلم كل مرة؛ لكن قد نكتشف بعد أجيال حجم الثروة الكامنة في جرة البخيل، وتكون ذلك الكنز الذي نشتهيه و حين يكون بين أيدينا فنضيعه.. شيء من هذا حدث منذ الدستور الجديد.

خطاب 9 مارس، وعى معنى جرة الذهب، وهذا هو الجميل بلغة “ميكيافيلي” أو بلغة “حنا آرندت” أو حتى بلغة ماركس، الذي جاء من بعده لينين ليحلم أن يحول المراحيض العمومية ويجعلها مصنوعة من الذهب، وفجأة وجدنا أن تماثيله فقط هي من صنعت من ذهب برغم رائحة أكتوبر الجميل في شوارع موسكو، إذ في لحظة الوعي العام تساقط تمثال لينين تحت غضب العامة كما تتساقط الشكولاتة وتذوب تحت رائحة صهد الأيام.. وآخره ما حدث في أوكرانيا..

9 مارس، جاء بعد أسبوع من 3 مارس الحزين، الذي كان وعاء زمنيا للاحتفاء بعيد العرش، ويمكن القول إن محمد السادس قد نصَّب عرشه على ركائز  قطار 9 مارس السريع..

مرت ثلاث سنوات على الحدث اليوم، ماتت حركة عشرين فبراير، لكنها تركت شيئا من حتى في نفوسنا، نحن الحالمون أن نرى بلدنا ديمقراطيا بملكية منفتحة حداثية ومتطورة.. وكم اعتززنا بهذا الخطاب الذي أسميناه خطابا تاريخيا.. ليس لأننا من الطامعين الذي يزينون الخطابات، حتى لو كانت مثل ثلاجة باردة لا يمكن أن تقنع سكان “الأسكيمو” باقتنائها لحظة إشراقة الشمس.

كان خطاب 9 مارس حقيقة وجوهرا، خطابا ثوريا تاريخيا، والذي أوحى به لم تكن إلا حركة نبيلة اسمها “20 فبراير”، والتقت إرادتان لوشم اللحظة.

اليوم ماتت عشرين فبراير ونحن فيما يشبه عدالة المنتصرين، نحتفل بـ “9 مارس” للذكرى فقط، وجاءت أوهام الديمقراطية، وجاء بنكيران، وبدأنا نتحدث عن تنزيل سليم لدستور جاء في مقام مغاير. فماذا جنينا؟

نحن فقط، من لا يَصْدِقُ في حقهم قول المعري: “هذا ما جناه علي أبي”، لأن كل شيء كان بين أيدينا، دستور جديد غير مسبوق، برغم كل تحفظات القوى الحية على بعض مضامينه التقليدية التي لازالت تعترف بالعرف وترسخه، وهو ما لا نشاؤه كديمقراطيين، لتكون الملكية واضحة وتكون الحكومة واضحة أيضا.

فقد مضت ثلاث سنوات، هل علينا أن نفرح أم أن أنسى؟

في سياسة العالم الجديد يقول هينتينجتون بأولوية الاستقرار على أولوية الديمقراطية، وفي هذا يجب أن نكون صادقين.. نجح محمد السادس في أن ينقذ مملكته من براثين انهيارات عميقة انطلقت من تونس الى مصر ثم ليبيا والبقية تأتي ..

لقد كان الحكم ذكيا في التقاط الإشارة، وقفز خطوتين نحو المستقبل لكن من أجل العودة خطوة إلى الماضي.. ثبت استقرار قواعد النظام السياسي، ونجح فيما يمكن اعتباره تغييرا داخل الاستمرارية، لكن لم نستطع أن نسير إلى أبعد، لتطهير حدائق “جورجياس” كما كان يشتهي هرقل ، وها نحن نعود إلى الكثير من الممارسات القديمة في قلب السلطة كما في قلب الأحزاب السياسية، فهل يمكن أن نحمل كل المسؤولية الى بنكيران وجماعته؟ هل المؤسسات الحزبية المضادة تمتلك مشروعية الحق في انتقاداتها لابن كيران؟

لست من المعجبين بتماسيح وعفاريت بنكيران الذي يموه القضايا الأساسية من أجل الاستمرار فقط.. صراحة، هذا ما يبدو لي الآن، ولكن ليس الشيطان وحده هو بنكيران، ثمة شياطين أخرى تلعب بدورها خارج الملعب، لكن كيف يمكن أن نحددها أو نشخصها، تلك هي المسألة؟

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.