عبد العزيز كوكاس
“عندما ينتزع الراعي عنزاً من براثين ذئب، تعتبره العنز بطلا أما الذئب فيعتبره دكتاتوراً” إبراهام لنكولن
استغربت كثيرا لموقف حقوقي ومحامي من حجم مصطفى الرميد أن يكون صوتاً نشازاً، للدفاع عن ضرورة الإبقاء على حكم الإعدام بدعوى أن هناك جرائم يستحق أصحابها القتل بإسم القانون، أعترف أنه أبدى بعض الرأفة بضمان شروط المحاكمة العادلة ومراجعة القانون الجنائي في اتجاه تقليص عدد الجرائم الموجبة للإعدام، لكني وضعت رأسي بين يدي خوفاً من المقصلة التي سهر على الإشادة بها، وإن في حدود الجرائم التي يعتبرها موجبه لاستعمال حق الدولة في سحب الحياة من الجاني.

يؤكد الأستاذ مصطفى الرميد أن عقوبة الإعدام لم تنفذ بالمغرب منذ إعدام العميد ثابت سنة 1993، لكنه لا يعرف أن المحكومين بالإعدام يموتون أكثر من مرة من لحظة انهيارهم بعد النطق بالحكم حتى ما قدر الله لهم العيش في أحياء الإعدام بالسجون المغربية، إنه لا يحس بمشاعر المحكوم بالإعدام في زنزانته المظلمة وهو يرهف السمع لخطوات السجان وصرير المفتاح في قفل الباب.
ويبدو المحامي والحقوقي الإسلامي مستكينا لعبارات “تسديد ديون المجتمع”، “العدالة أخذت مجراها الطبيعي”، “نال المجرم جزاءه بالموت”، وهي كلها عبارات تخفي طقوس القتل البدائية، ففي عصر التمدن والحضارة نعود للتبشير بضرورة حماية طقوس القتل باسم الأخلاق والقانون والمجتمع، ولا يمكن النظر إلى عقوبة الإعدام إلا كفعل وحشي يغذي غريزة الموت في المجتمع باسم القانون والمجتمع، وللأسف فإن الغرائز الإنسانية لا تمثل القانون، إنها لا تحافظ على توازنها كما يشتهي القانون ويريده المجتمع.
ليس هناك حق في الحياة أقدس من حق الحياة ذاتها، وأي سلب لها بغلاف القانون هو ترسيخ لمبدأ الانتقام، وإذا كانت تعلة وجود جناة يجنون في حق المجتمع بسرقة حياة أبرياء، فإن عقوبة الموت لا تعتبر حلا للمشكل، لأنه لم يثبت أنه في الولايات التي تطبق عقوبة الإعدام بأمريكا قد خفضت عدد الجرائم، ففي قلب تنويع أساليب الموت الرحيم، من حقنة السم إلى غرف الغاز حتى الكرسي الكهربائي، تظل الجرائم الكبرى مستفحلة، ولم يثبت أن مجرما تحول إلى إنسان طيب لمجرد خوفه من حكم الإعدام.
أحصى القانون “أوليفكروا” حسب حساب الاحتمالات على إمكانية الخطأ في الحكم القضائي الفرنسي في 1860، وجود حوالي بريء واحد يحكم عليه بالإعدام من بين 257 بريئة، هل النسبة ضعيفة كما تساءل ألبير كامو في كتابه “المقصلة”؟ إن وجود بريء واحد يكفي لإدانة عقوبة الإعدام، إنه لم يثبت أبداً أن “الإعدام” كان دواء ناجعاً للجنايات البشعة، ولا يكفي تحقيق ضمانات محاكمة عادلة لتجاوز الخطأ البشري، فالرحمة جوهر كل قانون، ولا يطبق القانون بقسوة إلا الطغاة حسب شكسبير.
لقد منحنا تطور العلوم الإنسانية، إمكانية فهم أعمق لمعاقبة الجاني باعتباره نسقا مركبا بيولوجيا وسيكولوجيا واجتماعيا وتاريخيا، فجزء كبير من الجرائم التي يرى السيد الرميد أنها تستحق الحفاظ على عقوبة الإعدام، تعتبر مسؤولية المجتمع ثابتة فيها، ذلك أن بواعث الفساد والإجرام والعبث والمجون والضغط النفسي والإحباط.. يخلقها المجتمع الذي يخلق الظروف المساعدة على الجرائم المروعة، ليس لأنه مجتمع إسلامي أو غير إسلامي، بل لأن التطور التاريخي والحضاري يفرض تحولات أقوى مما يشتهيها الإنسان أو يضبطها القانون، فكيف يعود المجتمع الذي يعتبر مسؤولا عن الكثير من الجرائم البشعة، إلى القصاص ليصب غضبه على مرتكبيها الذين صنعهم بنفسه، ثم ماذا نريد بعقوبة الإعدام.. أخذ العبرة لمجرمين محتملين، إن المجتمع نفسه مقتنع بذلك، بدليل أننا لم نعد نجري هذه الإعدامات في ساحة عمومية لخجل السلطة والمجتمع، ومن قال إن مجرد مشاهدة طقوس القتل باسم القانون، تقتل ميولات مجرمين محتملين، ولم لا نقول إنها تشجع المجرمين وتوقظ فيهم غرائز الموت وحب الظهور المرضي، في زمن نسمع عن موت أطفال، حينما جربوا الطريقة التي أعدم بها صدام حسين.
ثم من قال لنا إن عقوبة الإعدام تخضع لمقياس العدالة التي لا تستثني أحداً، لأنها تحمي المجتمع مما يمن اعتباره شذوذاً إنسانياً، فالذي يقرر بدقة حالات الإعدام هو السياق والأعراف والتقاليد والرأي العام، ألم تعدم الصحافة العميد ثابت قبل أن يقول القضاء كلمته.
فهناك بشرية القضاء والجو النفسي للمحاكمة، والسياق الذي يعطي معنى للأشياء، هل ستكون عدالتنا أكثر ضبطا ونضجا من العدالة الأمريكية مثلا؟ فهل سمع الأستاذ مصطفى الرميد بكتاب “Atravers les bareaux” للأمريكي كريل تشسمان الذي حكم عليه بالإعدام في 3 يوليوز 1948، وكان سينفذ فيه في 14 ماي 1954؟
إن عقوبة الإعدام جريمة، يقترفها المجتمع بشكل هادئ في الوقت الذي يؤكد أنه يحمي حق آخرين في الحياة، إنه وحشية قاسية، وما أروع ما قاله القديس أوغسطين في هذا الباب وهو يخاطب القاضي.. لا تدع النسيان يأخذ طريقه إلى فهم، حافظ على متطلبات الإنسانية، إنك وأنت تحاكم المذنبين حاول أن تفتش لهم عن علاج لمرضهم بدلا من أن توقع عليهم الانتقام جزاء ما اقترفوه، إنه مع التسليم بفظاعات جرمهم، أناشدك من أجل المحبة أن تستبدل عقوبة الإعدام بأي عقوبة أخرى، ثم أضاف وهو يستشهد بالمسيح عيسى عليه السلام “إنني لا أريد موت المخطئين، إنما توبتهم وحياتهم”.