عبد العزيز كوكاس
الاستنتاج الأساسي الذي يمكن لأي مراقب أن يخرج به وهو يتتبع تصريحات رئيس الحكومة هو أن على المغاربة أن يقبلوا بحرية أكبر عبودية أقل، بن كيران لم يمنحنا الديمقراطية ولم يمنحنا رغد العيش كما وعد ولا دك حصون الفساد، ويطلب منا أن نسامحه أن تكون الزيادة في الخبز مثل الكي الذي اعتبره الحكماء العرب آخر الدواء، لكن بن كيران بالمقابل وهو يفتخر بأنه نجح انطلاقا من صناديق الاقتراع وهو ابن الشعب في منح هذا البلد نعمة الاستقرار ونجا المملكة السعيدة مما ضرب غيرها من هزات عنيفة، وقدم للمغاربة هدية الآمان في البلد، فلا تطالبوه بالتنزيل السليم للدستور ولا تلتمسوا منه معجزات وكأن لسان حاله يقول لنا:”الديمقراطية ليست أولوية الآن وعليكم أن تنتظروا حتى تنتهي ولايتي لتحاسبوني على ما قدمت وعلى ما أخرت.

ثمة لعنة مغربية اسمها التأجيل المستمر للديمقراطية، بدا ذلك منذ لحظة النضال ضد المستعمر، حين فضلت الحركة الوطنية ممثلة في حزب الاستقلال ألا تفاوض قوات الاحتلال حول أي انتقال تدريجي نحو دولة المؤسسات، وأن الاستقلال سابق على الديمقراطية..وحصل المغاربة على الاستقلال وتم تأجيل الديمقراطية إلى حين،وبدا الأمر كما لو أن المغاربة خرجوا من الجهاد الأصغر دون أن يدخلوا الجهاد الأكبر.
في منتصف السبعينيات طرحت قضية الوحدة الترابية وحدث إجماع آخر حول القضية الأولى للمغاربة، ووجد عبد الرحيم بوعبيد نفسه في مسؤولية رسمية وتراجع عن مطلب الديمقراطية مرة أخرى حيث لا صوت يعلو على معركة استكمال الوحدة الترابية.. وتم تأجيل الديمقراطية مرة أخرى ولو باسم المسلسل الديمقراطي..
في نهاية الألفية الثانية وفي إطار ما سمي بالمصالحة الوطنية الكبرى، قبل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبيةالدخول في مغامرة التناوب التوافقي، وكان تيسير انتقال الحكم وتجاوز السكتة القلبية أقوى من ملحاحية تجذير الديمقراطية.. وبدا أن الانتقال الديمقراطي قد طال حتى أننا لم نعد قادرين على تسمية التجارب السياسية التي تلت حكومة عبد الرحمان اليوسفي الأولى..
وها نحن اليوم نعيش نفس الوضع الذي يبدو كما لو أنه قدر مغربي واستثناء لا مثيل له، علينا اليوم أن نقبل عبودية أقل، ديمقراطية أقل مقابل استقرار أكبر، وفي ظل مناخ عربي متوتر وعاصف للأنظمة والبنيات والمواقف.. يحاول بن كيران أن يقنعنا بأن علينا أن ننعم بما حُرم منه الغير وأن نؤجل مطلب الديمقراطية مرة أخرى إلى عام الفيل، وكل تأجيل أعزائي ونحن على غير خير، إذ البيت الذي شيد من قش وتبن ليس مثل ذاك الذي شيد من حجر وحديد، فحين تضرب نيران المصائب وحوادث الدهر كلا البيتين يبدو الفرق واضحا في العواقب والخسائر.
إن الضامن الأساسي للاستقرار في المغرب ظل هو الملكية، لكن ألا يمكن أن يعاضد قوة هذا البنيان الوطني تنزيل الديمقراطية والانتقال إلى دولة المؤسسات، ومتى تصبح الديمقراطية بالمغرب غير ممنوعة من الصرف.