راسبوتين بيننا

0

كوكاس

تبدو شخصية راسبوتين غامضة وملتبسة لا تشبع نهم القراء الذين يسعون نحو الاستثناء والعجائب في التاريخ ولعل اسم راسبوتين نفسه يحمل هذا الالتباس لأنه يدل في اللغة الروسية على مفترق الطرق، مزيج من الإيمان بالدين والانغماس الجنسي وشراهة السلطة لقد وجد الرجل نفسه وهو الراهب الماجن في أحضان حكم القياصرة، وفي ما يشبه المقاومة الباطنية استطاع الرجل أن يقاوم تيار التاريخ الذي ستقذفه أمواجه.

13707692_1060207977392973_5915054781146794979_n

كان راسبوتين يتمتع بقوة داخلية خارقة حتى تحول من مجرد فلاح وسكير وعاشق للجنس إلى قديس القياصرة في روسيا القادر على توبيخ القيصر وجعله مثل طفل وديع، فقد جاء من قريته التي نشأ فيها وحمل وشمها إلى بوطرسبورج في أوائل القرن الماضي، وفي إحدى شوارع هذه المدينة التي حملت وشم ثورة البلاشفة سيتم إعدامه وبين البداية والنهاية ترتسم صور متناقضة لراسبوتين الراهب، القديس، والداعر المجرم وسيد الشيطان، لقد دخل حيز الأساطير وربما وجد نفسه أمام تمزق عائلي وكان الدين في مثابة البلسم لراسبوتين الذي سيتحول إلى راهب ستظهر له معجزات تبهر كل المتحلقين حوله لكن الجنس كان نقطة ضعف راسبوتين والذي قاده إلى العربدة النساء والخمر اليوم ولا أمر غدا، كان التقاء راسبوتين بالأب جون نطقة تحول ستقوده إلى قصر القياصرة فهو المتنبئ بوريث العرش الروسي ضامن لاستمرار نسل العائلة الحاكمة، لم يكن راسبوتين رجلا شجعا لجمع المال لكن كان يحركه هاجس خفي للشهرة والسلطة ووشم التاريخ بميسمه الخاص وهو ما سيتحقق صحبة نيقولا الثاني حيث سيصبح راسبوتين الحاكم الفعلي لروسيا والذي على عهده سينتهي حكم البلاشفة تنبغيييييك. بسبب مفترق الطرق أو “راسبوتين” الذي استغل ثقة ثقة الملك وسذاجة القيصر ببسط نفوذه على البلاد وأجهزة الحكم، فهذا الفلاح الأمي سيحول عرش الإمبراطور إلى مجرد لعبة كراكيز بين يديه.

لكن كيف نجح هذا الرجل في التسلل إلى بلاط آخر القياصرة؟ لقد بدأ في خلق المعجزات للنساء اللواتي لهن نفوذ في البلاط الملكي وقد كتب عنه القيصر قائلا: لقد تم التعرف اليوم على رجل قريب من الرب. كان الرجل يستخدم قوته الباطنية في علاج مرضى القصر وداعت أساطير كثيرة وخرافات متقنة الصنع حول القدرات العجيبة لراسبوتين لعلاج المرضى الذي سيتحول إلى قديس صانع المعجزات لم يكن الرجل مجرد دجال بل كان له نوع من النبوغ الروحي، ثقة العائلة المالكة هي التي لا تبني المجد السياسي لراسبوتين الذي استطاع أن يكون دائرة في المحيط الحاكم من الأصدقاء الذين يدافعون عنه في دائرة البلاط ضد مكر الماكرين ودسائس الحساد وكما يقول كولن ويلسن صاحب كتاب راسبوتين: “كلما تعاظم أثر راسبوتين في البلاط زاد عدد معاونيه وشركائه” وسيصبح القصر كله يكن كامل التبجيل وهو ما جعله في قلب المكائد، قربه من القيصر خلق له متاعب كثيرة لكنه استطاع بدهاء أن يزيح كل معارضيه من الطريق وأصبحت له اليد الأولى في تعيين الوزراء وجنرالات الجيش لدرجة أنه أصبح الحاكم الحقيقي، تقرب من بنات القيصر وحين اشتكت الخادمة من سلوك راسبوتين طردها وحين داعب ممرضة الأميرات واشتكت به للتزارينا زوجة القيصر أرسلتها إلى مصحة عقلية بل إن زوجة القيصر ستسقط في عشق راسبوتين يقول عنه أحد الكتاب: “كان راسبوتين يحصل على أتباعه وتلاميذه بلمح البصر، سيما بين النساء اللاتي انجذبن إليه كما ينجذب الدبور للعسل” هذا النجاح الذي يؤدي دوما إلى حتف صاحبه غير الكثير من سلوكات راسبوتين الذي أصبح يحتقر كبار رجال الدولة وأصبح مهاب الجانب وسعى الكثيرون إلى تدميره.

بدأت فضائح راسبوتين الجنسية تطفو على السطح وبدأ الناس يتساءلون: هل راسبوتين قديس أم شيطان؟ وأخذت الفضائح تنزل تباعا على رأس هذا الرجل النافذ لكنه مع ذلك ما فقد قوته السحرية وحتى حين نشرت إحدى الصحف: “راسبوتين زاني الأرواح الإنسانية وأجسادها” اكتفت زوجة القيصر بالتعليق: “الكل يكرهه لأننا نحبه” فما كان من القيصر إلا أن أصدر مرسوما يمنع بموجبه أية صحيفة تتحدث عن راسبوتين عام 1905، كان ذلك هو العصر الذهبي لراسبوتين لكن مع بداية العقد الثاني من القرن الماضي سيعاني راسبوتين مما يمكن أن نسميه بعمى التاريخ فقد تعرض القيصر إلى أكثر من محاولة اغتيال ووجد راسبوتين نفسه في المحرقة بعد انتصارات متتالية لنين وجماعته وكان موقف راسبوتين المناهض للحرب مع ألمانيا بداية العد العكسي لأمجاد هذا الرجل الساحر. المهم أن بداية الثورة البلشفية ستكون نهاية القديس الفاسق راسبوتين حيث سينتهي مقتولا بشكل سيء وسيرمى في نهر النفكا الصغير ولم يكتف الثوار بذلك بل أخرجوا جثة راسبوتين من قبرها وأحرقوها إمعانا في الازدراء وفي نهاية مرحلة كان راسبوتين يحكم فيها روسيا على مشيئته وهواه، تلكم فقط بعض عبر التاريخ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.