عبد العزيز كوكاس
“- هرقل: وماذا تريد أن تظفر به؟
– ديونيزوس: أن أظفر بشاعر صادق، فأكثر الصادقين ماتوا” عن “الضفادع” لأرستوفانس
كان شارل دوغول رجلا استراتيجيا، لقد أسس فرنسا ما بعد النازية، كان الجنرال محط انتقاد دائم من طرف الصحف، إعلاميون ومثقفون وازنون انتقدوا ما اعتبروه غريزة متوحشة في نظام دوغول، كان جون بول سارتر أقوى هؤلاء، لقد تصدى بقوة لسياسة الجنرال الوطني لفرنسا المتحررة من قوات هتلر، وظل يُكيل له الشتائم البذيئة في مجلته “الأزمنة الحديثة”، فضغط مستشارو الرئيس من أجل اعتقال سارتر خاصة بعد أن شبه ديغول بالوحش والدكتاتور وهتلر وستالين، لكن دوغول صرخ في وجههم: “لا، لا أحد يسجن فولتير! أتطلبون مني أن أضع فرنسا في الحجز؟!”.
كانت الجريدة “الساخرة” لوكنار أونشينيه” تطالع الجمهور الفرنسي أسبوعيا برسوم ساخرة ومقالات لاذعة عن شارل دوغول، وذات عدد، خلت أسبوعية “لوكنار” من أي رسم كاريكاتوري للرئيس الفرنسي القوي، فأرسل للجريدة بطاقة كُتب على ظهرها، ألم يعجبكم اليوم شيء في أنفي؟!” وحين سُئل دوغول: “ما هي الديكتاتورية؟” أجاب بحكمة رجالات الدولة الكبار: “الديكتاتورية هي فرنسا بدون “لوكنار أونشينيه”!

في العصر الذهبي لحكم عملاق بريطانيا تشرتشل، شَنَّ الصحافي البريطاني بيرد هجوما قاسيا على البطل/ الأسطورة لدى الإنجليز، واتهمه بعدم صفاء ذمته المالية في صفقات إعادة إعمار بريطانيا بعد الحرب، اتضح فيما بعد أنها – الاتهامات – لم تكن سليمة في مجملها.. وفي إحدى مناسبات الاستقبال توجه محرر إنجلترا إلى الصحافي بيرد الذي كان بين المدعوين، وخاطبه هامسا في أذنه: “أشكرك، لقد قدمت خدمة عظيمة لبريطانيا”، وعندما تساءل الصحافي باستغراب، أجابه تشرتشل: “بتجرئك على انتقادي حرَّرت الأقلام والألسن، لقد كان الكل ينظر إليَّ كبطل قومي لإنجلترا، ويُحجمون عن قول أي شيء، لقد ساهمت بشكل كبير في أن تقول الصحافة رأيها بحرية، وهو ما ساعدني على أن أكتشف أخطاء كثيرة في حكومتي..” ونادى على بعض مستشاريه وقال لهم: “أطعموه الكعك الإنجليزي، فمثله له فضل كبير”!
مرة انتبه روزفيلت وهو يطالع صحف بلده، ألا انتقاداً واحداً يوجه إليه، استغرب للأمر، فاستدعى بعض مساعديه وطرح عليهم ما أقلقه: خلو الصحافة من انتقاده ونقد حكومته.. فقيل له ما معناه: “هذا يعني أننا نسير في الاتجاه الصحيح، والكل راض على النتائج التي تحققها حكومتك”، لكن كانت لروزفلت وجهة نظر مغايرة، لذلك أمر مساعديه باستدعاء الصحافة لعقد لقاء خاص، وقال: “أخشى أن تُحْجِمَ الصحافة عن انتقادي على اعتبار أني بطل حرب.. أجمعوا لي الصحافيين لأشجعهم على النقد، لأنه بدون نقد لن نسير أبداً بالشكل السليم”!
هذه المواقف هي غيض من فيض لزعماء كبار وشموا التاريخ ببصمات من ذهب، كانوا عُرضة لانتقادات الصحافيين بشكل لاذع وبلغة جارحة، وكانت أسطورتهم الوطنية والقومية كمحررين أو كزعماء حرب تحرير أو كرؤساء يملكون كل السلط، تمنحهم القوة لاعتقال الصحافيين وتكميم أفواه الصحف التي تزعجهم، لكنهم اختاروا مواقف شجاعة لصالح حرية الصحافة، وأعطوا النموذج الديمقراطي لحماية الصحف المزعجة، لذلك خلدت قولة دوغول، الذي كان مستشاروه يضغطون عليه لتكميم فم “جون بول سارتر”، حين صرخ: “لا، لا أحد يسجن فولتير”، واعتبر روزفيلت عدم انتقاد الصحافة لحكومته يعكس خللا ما، وشكر تشرتشل الصحافي بيرد لكونه أسدى خدمة لبريطانيا حينما حرَّر الأقلام لتنتقد البطل/ الأسطورة.
نحتاج ونحن نعبر مراحل حرجة في مجال حرية الصحافة، أن يتسم مسؤولونا بروح الانفتاح على المستقبل، وعدم الارتهان إلى قاعدة الضبط والترويض اتجاه الصحافة المشاكسة، فهي جزء أصيل من ترتيب البيت الديمقراطي، ونتمنى أن يتغلب صوت الحكمة والرزانة على العقل الفعال في الدولة لتجاوز هفوات الاستخدام السلبي لحرية الصحافة لبعض المحسوبين قسراً على مهنة نبيلة، ذلك أنه لا يمكن أن نمنع الماء لمجرد أن البعض شرق به ومات، على حد تعبير الحكيم إبن رشد، فالشَّرَق مجرد عَرَض، أما الماء فهو جوهر، فكما أنه لا يمكن أن نصدر قانوناً لمنع استعمال السكين، لأن البعض يستعمله في أغراض النهب والسرقة والقتل، فكذلك لا يمكن منع حرية الصحافة لمجرد أن البعض أساء استخدامها، فحرية التعبير جوهر، والاستخدام السيئ لها مجرد عرض زائل.. مع مرور الوقت ونضج الممارسة سيزول حتما.. والله يجيب اللِّي يفهمنا فقط!!