شجن عاشق للوطن

1

لن تكون بلادا تلك التي حميناها برموش العين وبأهداب القلب الرعاف، فرمتنا بسهام ترسم للريح خطى في قلوبنا.

لن تكون بلادا تلك التي نسجنا بأضلعنا سقوفها وزينا سماءها بلآلئ مآقينا وحرسنا أزهارها من قطرات الندى والفراغات الجارحة، فأعدت الأكفان للطيبين منا، وحولت الجلادين إلى نائحات في ليل مآسينا.

لن تكون بلادا تلك التي حصدنا الجمر في منتصف الطريق إلى ضفائرها فحولت جدائلها إلى مشانق لعشاقها.. ورسمت أمام خطانا جدولا من تعب.

لن تكون بلادا تلك التي علقنا على أسقفها سماء من حلم، وقمرا يحمي الساهرين على حدودها من الغمام وصدى الحسرات فجعلها الأوغاد نياشين من مجد الهباء.. يتاجرون بها في معارض لعاشقين يجمعون الصور.

لن تكون بلادا تلك التي ظللنا ننتظر ابتساماتها ونحن نرعى الأنجم حتى لا تغمض رموشها، فأبت إلا أن تعتصر برتقال أحلامنا ورحيق آمالنا المنمنمة، سلافة ونبيذا معتقا لسرّاق ما نتوق أن نكون عليه.. أحرارا في وطن حر.

لن تكون بلادا تلك التي علينا أن نغادرها ونلتقيها بالانكسارات نفسها وبالتمزقات ذاتها.

تأبى أن تبتسم لنا، وتمنح السيف والميزان للخائنين والحالمين ببيع جسدها بالجملة، أو بالتقسيط المريح على بطائق البريد التي تعرضنا مثل قرود في محافل الرقص.

لن تكون بلادا تلك التي نزين لقاءنا بها بانتظارات قاسية، بعد تقديم كل القرابين الممكنة والمستحيلة، فتتوج مغتصبيها على ابتهالات مآتمنا ونخيل حنيننا المبلل بالدم والدموع.

لن تكون بلادا تلك التي تستأجر قوارب البحر نعوشا لأطفالها الحالمين، لأنها تبخل عنهم بالكفن، بعد القوت ومقاعد المدرسة وأقراص الدواء.. وتمنح الأحصنة والبنادق لقتل الحمام المتمرد..

لن تكون بلادا تلك التي حوَّل اللصوص سماءها، بحرها، رملها وكواكبها إلى فضاء خصوصي مسيّج بالبوم وحراس الليل.

ترى إلى أي شاطئ جميل سنحمل باقي أيامنا وهشاشاتنا وما تبقى منأنين فينا؟

فحين نعتاد الموت والرحيل، تصبح كل الأمكنة فضاء محتملا لاحتضان جراحنا

فليست بلادا هاته التي تطارد الحلم والعشاق والعصافير.

تعليق 1
  1. abdou51 يقول

    قصيدة نثر تثير شجون وجودية عند من
    يرفض واقع بلاد موبوؤ

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.